تتسارع الأحداث وتتزايد العمليات الأمنية والعسكرية في ريف مدينة اللاذقية، مع دخول المكون التركماني على خط الأحداث في الريف الشمالي للمدينة. مما يطرح تساؤلات عن إمكان اتباع مدينة اللاذقية منحى مشابهاً لمدينة حمص من ناحية العنف الطائفي الحاصل على هامش الانتفاضة السورية.


يرى مهدي عامل في كتابه «في الدولة الطائفية» أنّ الطائفة علاقة سياسية من التبعية الطبقية التي تربط بين الطبقات الشعبية، أو تربط قسماً منها بالبرجوازية. أما الطائفية، فهي النظام السياسي لهيمنة هذه البرجوازية المسيطرة. إنّ الفكرة الأساسية التي تهمنا من تعريف مهدي عامل أنّ الطائفية هي نظام سياسي، وبالتالي تحتاج إلى أنساق (اقتصادي واجتماعي وسياسي وثقافي). ولذلك لا بد من توافر المقومات السابقة لإنتاج الطائفية كنظام يؤدي إلى جرائم ذات طابع متكرر تظهر فيه جرائم الكراهية والانتقام الجماعي. يتضح من خلال مسارات وأنماط الطائفية في الانتفاضة السورية أنّ مدينة حمص هي المدينة الوحيدة التي تواترت فيها الجرائم الطائفية، بينما استطاعت بعض المجتمعات تجاوز هذه المسألة تلقائياً، وبعضها نجحت آليات الضبط الاجتماعي في الحد منها. تتشابه مدينتا اللاذقية وحمص في الأنساق السياسية والاجتماعية والثقافية، لكن هل تتشاركان تماثل النسق الاقتصادي؟
تعد المدينتان من المدن المتوسطة الحجم، ومتشابهتين ديموغرافياً وذواتَي بيئة اجتماعية واحدة، لكن هناك فرق في تطور حجم سكان المدينة المعتمد على تحول القرى إلى بلدات والهجرة من الريف إلى المدينة. ويلاحظ أنّ تطوّر نسب سكان مدينة حمص أعلى من نسب تطور سكان مدينة اللاذقية بمعدل وسطي يقارب 10 بالمئة خلال كل عشر سنوات منذ 1950 ــ 2008. وخلال الفترة ما بين 1960 و1970، جاء مركز مدينة حمص في المستوى الثالث في الهجرة من الريف الى المدينة، بينما اللاذقية في المركز الخامس، كما كان ريف حمص ثاني ريف طارد للسكان بعد ريف حلب، بينما ريف اللاذقية في المرتبة الثالثة، كذلك سمح صغر مساحة محافظة اللاذقية (2297 كم مربعاً) مقارنةً بمحافظة حمص (40910 كم مربع) لأهالي الريف العاملين في المدينة بالعودة إلى قراهم في اليوم ذاته، دون أن يضطر الجميع إلى السكن في المدينة. وتركز المهاجرون في أحياء معينة على حافة المدينة، وعملوا في مجال الخدمات والسياحة، ولم يقتحموا الحياة الاقتصادية لأهالي المجتمعات المحلية في المدينة المرتكزة على المهن الحرة والتجارة، وظلت الأسواق التجارية التقليدية في المدينة هي المركز الرئيسي للتسوق لجميع أهالي المحافظة. وعلى الرغم من دخول العمال العلويين في اللاذقية مجال العمل في مرفأ اللاذقية، ظل بنسب عادية قياساً بعمال المدينة، وخاصة مع الخصخصة الجزئية للمرفأ التي كان رجال الأعمال من الطائفة السنية، كآل الجود وآل حورية، أكبر المساهمين فيها، وكانوا يوظفون العمال من أهالي المدينة للعمل في المرفأ.
أما في مدينة حمص، فقد برزت طبقة رجال الأعمال الجدد على نحو واضح في المجتمع الحمصي تبعاً للسياسات الليبرالية للحكومة السورية في العشر سنوات الأخيرة، في مقابل تراجع المستوى الاقتصادي للطبقات الوسطى، التي انحدرت نحو الطبقات الفقيرة مع ندرة توافر فرص العمل في الحكومة والقطاع الخاص. جاء ذلك بعدما تغيّرت التركيبة السكانية لحمص والهجرة من القرى المجاورة والعشائر البدوية إلى المدينة وسكنهم في قلب المدينة، وقيامهم بأعمال تجارية، ومنافستهم لأهالي المدينة في الحصول على فرص العمل في مصفاة حمص ومعمل حمص للسماد ومعمل الاسمنت، كذلك انتشرت العشوائيات التي يسكنها أهالي القرى المهاجرون على نحو أكبر من مدينة اللاذقية تبعاً لحجم الهجرة.
نستطيع أن ندعم هذا التحليل الاقتصادي والاجتماعي باختلاف النسق الاقتصادي في حمص عن مدينة اللاذقية بعدم حدوث أي جريمة طائفية في اللاذقية حتى نهاية آب 2012، بل استطاع المجتمع اللاذقاني تجاوز اختبارات صعبة في ظل حالة من عدم الاستقرار والقلق النفسي الذي كانت تعيشه سوريا بعد أحداث حمص. ففي نهاية الشهر الأول من 2012 توالت أحداث متبادلة استهدفت عائلات قُتل الأطفال فيها حرقاً أو ذبحاً في حمص. وفي 28 كانون الثاني 2012، قتل 4 أطفال خلال احتراق بيت أحد الناشطين السياسيين في شارع القوتلي في اللاذقية، بعد زيارة القوى الأمنية للبيت. وعلى أثر هذه الحادثة، خرجت تظاهرات ضخمة في اللاذقية خلال تشييع الأطفال جابت مختلف أحياء المدينة. وعلى الرغم من فجاعة الأحداث في حمص لم يتأثر أهالي اللاذقية بهذه الحادثة، ولم يحدث أي عمل طائفي من أي
طرف.
قد يرى بعض الباحثين أنّ السبب الرئيسي لاتخاذ حمص هذا المنحى من العنف الطائفي مرتبط بدرجة القمع الذي تعرضت له. ومقارنةً باللاذقية أيضاً تعرض المحتجون في شهري آذار ونيسان 2011 لدرجة قمع تفوق ما تعرض له المحتجون في حمص في الفترة ذاتها، لكن وسائل الإعلام لم تكن تنقل هذه الأحداث. أو قد يذهب بعض الباحثين إلى القول إنّ هناك توازن قوى اجتماعياً في اللاذقية يفرض على الجماعات الأهلية هذا النمط من السلوك، لكن يجب الانتباه إلى أنّ توازن القوى يفرض هجرة العائلات من الأحياء المختلطة، أو فرزاً اجتماعياً في الحركة الشعبية في أحياء المدينة، كما حدث في حمص، لكن هذا لم يحدث في اللاذقية، ولم تتغير حركة الأهالي في المدينة إلا لاعتبارات أمنية تقوم على الخوف من حدوث اشتباكات أو انفجارات في الليل.
إنّ حدوث أعمال عنف طائفي في أي منطقة سورية لا يعني أنّ النظام الاجتماعي العام هو حالة من العنف الطائفي المستديم، بل ستكون كأحداث تنتهي بانتهاء الصراع السياسي الدائر في سوريا إذا لم تتغير التركيبة الاقتصادية في تلك المناطق وفق الأحداث السياسية الجارية، ولم تحدث تدخلات استخبارية ودولية، وخاصة في مرحلة غياب السلطة السياسية أو العسكرية. وسيكون للنخبة المحلية والأهلية الدور الأبرز في بلورة خطاب وطني جامع يقطع الطريق على الانتهازيين أو ذوي المصالح الخاصة في الدفع بأمور لا يريدها الشعب السوري كافة، بل تفرضها النخبة السياسية المتضررة من التغيير والتدخلات الدولية، بينما تتفرد مدينة حمص بتوافر العوامل التي تجعل من الطائفية نظاماً ديناميكياً قابلاً للحركة في اتجاهات متعددة.
يقتضي التعامل مع ملف الطائفية أن تقوم الدولة على مبدأ المواطنة المتساوية المستندة إلى نظام ديموقراطي حقيقي، يكفل حقوق وواجبات المواطن مع ضرورة معالجة القضية الطائفية على نحو جدي وحذر، على أسس الديموقراطية والأمن الوطني، كما أنّ تحقيق التنمية الاقتصادية في المستقبل هو الشرط الأساسي لضمان عدم تكرار القضايا الطائفية، لأنّ الصراعات السياسية والتنوعات الطائفية لا يمكن أن تنتهي.
(تعتمد المعلومات والاحصائيات الواردة في المقالة على دراسات وتقارير عن حالة السكان في سوريا نشرتها الهيئة السورية لشؤون الأسرة، أو مقابلات شخصية مع عدد من الأشخاص الذين عملوا في الأماكن المذكورة في المقالة)
* باحث سوري ــ الدوحة