الانتماء للثورة أو العداء لها صار أصل كل حديث، ونقاش، وحوار، وعلاقة حب، وتدبير شؤون المنزل؛ ففي سوريا، هناك عملية موضوعية، اسمها الثورة الشعبية المتصاعدة، وهي تحدث تغييراً نوعياً في حياة السوريين على مختلف الصعد. هذا الأمر ينعكس على علاقة السياسي بالإنساني، ليتبادلا الأدوار. إذ يصبح السياسي إنسانياً تارة، مدافعاً عن الثورة والثوار والمستقبل وعن إنهاء التسلط ورفض سقوط شهيد واحد أو ضربة كفّ. وعلى أهمية كل ذلك، فهو لا يعمل على النقد الموضوعي للثورة وإظهار مشكلاتها وأهدافها. والإنساني يصبح سياسياً، حينما يفاضل بين أوابد تراثية في كل مدن سوريا، بالضد من الثوار، مدعياً الخشية على ماض مضى ولن يعود، متجاهلاً في مقولته تلك أن الإنسان هو الذي يعيد خلق كل شيء، وإن بشكل مختلف، متغافلاً عن كل ما تم من سرقات ومن تدمير سابق لأوابد سوريا، وما أكثرها. والتجاهل الأكبر يكمن في تغييب مسؤولية النظام عن تطوّرات واسعة في الثورة وفي مجرى الصراع، وهنا ربما يقول ذلك الإنسانيّ: ما هذه الثورة التي يقودها النظام؟ نقول له: في مجرى الصراع، هناك أطراف متنازعة، وفي سير الصراع يطوّر بعضها الآخر، وإن ذلك التأثير المتبادل يتمايز ويختلف، لكنه مترابط مع بعضه الآخر، رغم أننا لو كنّا إنسانيين بحق، سنحمّل وبوضوح شديد المسؤولية الكاملة للنظام الذي دفع البلاد نحو دمار ودماء لا يحتملها العقل. وهو ما ينطلق منه كثير من الإنسانيين، لكنهم لا يوضحون رؤيتهم كفاية.

السياسيّ قد يبرر أعمالاً خاطئةً للثوار الميدانيين (عسكريين، إعلاميين، تنسيقيات، مجالس، إلخ)، بدرجات متباينة وحسب برنامجه، وهو ليس محقاً بذلك، وللإنسانيين كامل الحق في الدفاع عن الإنسان، والتراث وعن أي شارع يتهدم، وتمثال وكتاب وحجر يتعرض لأية صنوف من الخراب، وقد صارت عديدة. ولكن، وقبل كل ذلك، وبالمثل، السياسيّ، عليه أن يدافع عن الأحياء الذين يستشهدون، فهم أصل كل الحكاية: هؤلاء بشر، لهم عائلات وأولاد وآباء وأمهات، وحياة لا يحق لأحد أخذها منهم، وبما لا يتعارض والدفاع عن تلك الأوابد التراثية. لو انطلق الإنسانيون من هذه الزاوية بدل كيل الشتائم على الثوار، لاستطاعوا حصاد ثمار انتقاداتهم مع الثوار؛ أما امتهان قسم من الإنسانيين الشتائم، بحجة الإنسانية والطهارة، وممارسة كل أشكال القدح والذم بطريقة اتهامية وتخوينية للثوار، والناس يطلقون عليها النار من كل أصناف الأسلحة، فأعتقد أن في الموضوع قصوراً استثنائياً عن دور الإنسانيين في المجتمع.
يلعب قسم آخر منهم _ الإنسانيون _ دوراً متعاظماً في الثورة السورية، وفي مدّ حبل السر وليس في قطعه مع السياسيين والثوار من كل شاكلة؛ فالإنسانيون يعملون على تقديم المساعدة للثوار بشكل متواصل، غذاءً ودواءً ولباساً ومسكناً ومالاً. إنهم يقومون بدور مركزي، ولم يتوانوا عن ذلك طيلة عمر الثورة اليتيمة؛ وهي كذلك لأن الدعم المتأتي لها هش ومحدود ولا يعتدّ به؛ أما الدعم الأكبر فهو من الأهالي الفقراء من سكان المناطق نفسها، ومن المجتمع المحلي الذي ما بخل يوماً، ما دام قادراً، على تقديم المساعدة، رغم أنه تعب تعباً شديداً. الإنسانيون ليسوا من يرفض رؤية قطرة دم أو ضربة كف أو دعس حشرة أو هدم تمثال، ويتجاهل الآثار الجهنمية للدبابة والطائرة والمدفع والبندقية والسكين والحرق وفروع النظام وسجونه. طبعاً ليس سياسياً من يشرّع القتل والضرب والدعس والهدم، بل عليه رؤيتها ورفضها؛ لكن السياسي يفهم كذلك، أو عليه أن يفهم: إن التاريخ لا يسير على هواه أو هوى الإنسانيين، ولا على هوى برنامجه، بل يسير سيره المميّز كونياً محطماً القيود أينما وجدت؛ التاريخ له مزاجه وعظمته ونهفاته وثقالته؛ فقوانينه لا تردّ ولا توقف؛ من واجب السياسي أن يفهم ذلك، وأن كلفة ذلك توزن بالدماء والدمار. وقد يقول سياسي ما إنه لا قيمة لأوابد التاريخ والتراث، فالإنسان هو الأهم، نقول له: لا. إن لها قيمة وقيمة كبيرة، فهي ماضينا! وعلى الثوار تجنب تعريضها للخطر، وعليهم تجنب إفساح المجال للنظام بتدمير المناطق الأثرية أو قتل المدنيين. وبالطبع، لا نفاضل فيها على الإنسان الثائر وغير الثائر. وفي الحقيقة، وكموقف مطلق، الإنسان هو الأصل في الماضي والحاضر والمستقبل، وكل ما أنجزه في التاريخ، هو ماضيه، لذلك فإن للأوابد التاريخية قيمة عظيمة. نعم، هذا ضروري وضروري جداً لا من أجل الإنسانيين، بل لأن أخلاق الثورة تقتضي ذلك، فهي أخلاق تستهدف الحفاظ على الإنسان أولاً، وعلى كل ما قدمته الحضارات السورية القديمة، فهي تاريخنا كثوار وكبشر.
مشكلتنا هنا: إن السياسيين يخطئون كثيراً، وكذا يفعل الإنسانيون أيضاً، وهم متساوون في القصور المعرفي والسياسيّ والإنسانيّ. ليس من الإنسانية بشيء أن لا يرى بعض الإنسانيين ثورة بلادهم، وأن يتعاملوا معها كحقائق أقل من أوابد التاريخ _ وزيادة على ذلك _ فيفاضلون أوابد معينة، في بعض المدن السورية، على البشر. هؤلاء الأشخاص ليسوا إنسانيين، حتى في ما يتعلق بالتاريخ، لأنهم ثمّنوا وقائع معينة وفضّلوها على أخرى، وعلى الثورة والبلاد وركزوا على نقاط محددة؛ ورغم أهميتها، فإنّهم حوّلوها إلى كل شيء، فلم يروا ثورة ولم يروا بشراً، وحينها فليتأبد النظام الذي دمّر تلك الأوابد بعد هذه «الأزمة الوطنية!...».
نعم، إن مجرى الصراع الدامي والمستعر بين الثورة الشعبية والنظام الشمولي سيدمر الكثير الكثير في طريقه، إلى أن تنتهي الأمور إلى خواتيم معينة. قمّة الإنسانية تتمثل في العمل بكدّ بالغٍ، لحفظ الأوابد والبشر معاً، عبر نشر أهمية تلك الأوابد والتنبيه لها، وتحميل النظام المسوؤلية الكاملة عن دمارها، وتحميل المسؤولية لكل من يقوم بعمل تدميري من الثوار ضدها، وإجراء حملات إعلامية شديدة القوة على كل الفضائيات ومواقع التواصل، وكل أشكال الضغط الدولية والعربية، وتوضيح استثنائية الخفة التي يتعاطى معها النظام أولاً، والثائرون ثانياً، بتلك الأوابد وما يحصل في سوريا. ولو كنت إنسانياً، من مفضلي الأوابد وأرفض رفضاً مطلقاً إهانة الإنسان في أية شروط، أثورية كانت أم لا، لعملت فعلاً كما أشرت أعلاه، ولتعاملت مع مختلف منظمات حقوق الإنسان وغيرها، لنشر ومتابعة كل شؤون أوابد بلادي، والأحياء، الثوار وغير الثوار، في الوقت ذاته. الحقيقة أن كثيرين بعيدون عن الاعتراف بالقصور المعرفي والمصلحي، إنسانياً وسياسياً، ولا يزالون يغلّبون الرأي السياسي والإنساني، بما يخص الإنسان وأوابد التاريخ، على الثورة، التي هي ثورة شعبية وعملية موضوعية. وهؤلاء حتى اليوم لا ينطلقون من رؤية متكاملة، وبرنامج وأهداف محددة للثورة، ويتعاطون مع الثورة كفعل اختياري إرادوي إمبريالي خليجي عسكري؛ هذه العقلية تتطابق بأوجه ما مع بروباغندا النظام، وهي نزعة رجعية في التاريخ، وعديمة الإنسانية بالمعنى الدقيق.
الإنسانيّ هو من تطابقت أفعاله مع الثورة وانتقد أخطاءها وثمّن إيجابياتها، والسياسيّ من عمل لحل مشكلات الثورة وتجذيرها كثورة شعبية وطنية ديموقراطية، وساهم في تحقيق أهداف الثورة كثورة حقوق عامة، ضد النهب والتسلط وتداخل مؤسسات الدولة، وإنهاء دور الأمن والعسكر في الحياة العامة للمجتمع والدولة. هذه الروحية، هي ما يمتّن حبل الصلة بين الإنسانيين والسياسيين من جهة، والثورة من جهة أخرى.
وبما يخص الثورة الشعبية، وليدقق الإنسانيون والسياسيون، هي ثورة طبقات مهمشة، مبعدة عن السياسة وعن المعرفة العميقة وعن العيش الكريم؛ وانفجارها الكبير بثورة عارمة تواجه بكل أصناف القتل والدمار، يمنعها من توضيح أهدافها بدقة، ويحدد أهدافها بإسقاط النظام ونقد كل من يتلكأ من المعارضة أو من دول خارجية، تتكلم إلى جانب الثورة وتمارس التقسيم الدولي على نظام الحكم القادم، وهو ما يدمر سوريا، شعباً وتاريخاً وعلى كل مستويات الدولة والمجتمع؛ إعلاميو الثورة الشعبية هم جزء من هذه الثورة، هم أفراد الحارات المهمشون، المفقرون، أصحاب الوعي التقليدي/ الديني. هؤلاء الناس، يقع على عاتق المثقفين من إنسانيين وسياسيين، وأصحاب المشاريع السياسية، مسؤولية كبيرة في التواصل معهم وإيصال رسالة الثورة كما هي، وليس كما يحللها العقل التقليدي. هؤلاء الثائرون يتقبلون كل جديد موضوعيّ، ويرفضون بالكامل كل متسلّق انتهازي إصلاحي، ويعرفون مقدار رجعيته طالما لا يحدد موقعه بدقة من السلطة ويعمل على توجيه الانتقادات للثورة بشكل ثابت وضمن إطار مقولات تعزز بروباغندا السلطة. هنا مأساة هؤلاء السياسيين والإنسانيين، الذين كثير منهم من أبناء الثورة ومن مؤيديها، لكن اعتدادهم المرضي بأنفسهم وبالمقاييس المسبقة والمعايير والنماذج الجاهزة، يمنعهم من رؤية الثورة بكل غناها، بكل تعقيداتها، بكل ممكناتها، بكل وضوحها لجهة الانتقال نحو مرحلة جديدة، تقصّر المهل لإسقاط النظام.
على الإنسانيين والسياسيين المنخرطين بالثورة بأي شكل من الأشكال، البحث عن مشتركات العمل التاريخي، والابتعاد عن أشكال القصور المعرفية وعن المصلحة الضيقة المحدودة لجهة غنى المستقبل وكثرة المصالح لأفراد الشعب كافة.
* كاتب سوري