انتهت جولة التصعيد الإسرائيلية الأخيرة ضد قطاع غزة كما بدأت: كثير من الشك واللايقين، وكثير من التساؤلات عن شكل التصعيد المقبل ومضمونه وموعده، إذ إن التقدير مستقر على أن وقف إطلاق النار لن يصمد أياماً، أو في حدّ أقصى أسابيع معدودة. في رواية إسرائيل إزاء التصعيد الأخير ونتائجه وما قد يأتي في أعقابه تجاذبات واختلافات. من جهة، توجد رواية رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو، وإصراره على النجاح في تسجيل انتصار على الفصائل؛ وفي المقابل انتقادات حادة وتشكيك من باقي اليمين ومن الوسط واليسار، إلى جانب الإعلام العبري وتحليلاته.

بغضّ النظر عن روايات الانتصار الإسرائيلية، التي يشكك فيها الإسرائيليون بحد أدنى، فإن السؤال الأبرز يتعلق بالآتي، وإمكان تجدد القتال الذي بات كما يبدو دورياً، مع تقلّص أوقات الهدوء بين الجولة والأخرى، إضافة إلى ارتفاع مستوى إيذائها للطرفين. فهل الميدان مقبل فعلياً على تصعيد؟ الواضح أن المحددات التي تفرض قرارات وردود فعل الجانبين، إسرائيل من جهة وفصائل المقاومة في غزة من جهة ثانية، على حالها ولم تتغير نتيجة التصعيد الأخير. وفي المقدمة أنهما غير معنيين بحرب شاملة ابتداءً.
في الوقت نفسه، الواضح أن الفصائل معنية بفكّ الحصار أو ما أمكن منه، وبحد أدنى تحصيل ما جرى التوافق عليه، بمعنى سحبه عبر الضغط والتصعيد على الجانب الإسرائيلي، مقابل إرادة إسرائيلية في التعنت والمماطلة على خلفية عوامل داخلية وخارجية، منها ما يرتبط بالمقاومة نفسها وضرورة إشغالها وإبعادها إلى الهموم المعيشية، ومنها ما هو داخلي يتعلق بيمينية إسرائيل والصراع على هذه الصفة بين الأحزاب التي باتت تعد اليمينية افتخاراً وهدفاً مطلوباً.
نتيجة هذه المحددات، يوجد سباق بين التهدئة والمواجهة، وهو في أساسه مرتبط بالقرار الإسرائيلي وتفاعلاته أكثر من كونه مرتبطاً بالقرار الفلسطيني، لأن القضية من ناحية غزة هي مواجهة اللاخيار، التي تصل إلى حد إهمال الأثمان لدفع التهديدات. فهل إسرائيل الرسمية معنية فعلاً بالتهدئة؟ إن كان كذلك، فستشهد الأيام القليلة المقبلة بداية تطبيق التزامات التهدئة التي أعيد تأكيدها مع ضمانات قبل يومين، والا فإن التصعيد مقبل لا محالة.
يمكن جملةَ تفاصيل حول مجريات الجولة الأخيرة وما أعقبها من مواقف أن تشير أيضاً إلى واقعية الجولة المقبلة وإمكاناتها الفعلية. فالواضح أن الجيش الإسرائيلي، بقيادة أفيف كوخافي، يتصرف بنحو يكاد يكون متطابقاً مع سلفه غادي أيزنكوت، في الامتناع عن مواجهة شاملة مع غزة أو ما يمكن أن يسببها، لكن هل يجاريه المستوى السياسي؟ خلال مداولات «المجلس الوزاري المصغر» (الكابينت) الأحد الماضي، في الجلسة التي امتدت أكثر من خمس ساعات، أوصى كوخافي ورئيس «الشاباك» نداف أرغمان، وزراء «الكابينت» بوقف التصعيد في القطاع والسعي إلى وقف النار. وهو موقف يشير إلى أن إرادة التهدئة والامتناع عن التصعيد موقف ما زال الجيش يتبناه لتعذر الخيارات الأخرى وكلفتها، و/أو تعارضها مع المصالح الإسرائيلية كما يراها الجيش، وهي إدامة الانقسام الفلسطيني.
وكما ينقل الإعلام العبري (موقع «واللا») عن مشاركين في الجلسة، عارض كوخافي وأرغمان توسيع القتال، وطالبا بدعم جهود الوساطة المصرية والأمم المتحدة، للتوصل إلى وقف لإطلاق النار. لكن هذا الموقف يتعارض مع مواقف نتنياهو العملية المبنية على أكثر من اعتبار دفعه في الماضي إلى أن يبرم الاتفاقات مع غزة من أجل التهدئة في أعقاب جولات التصعيد الأمني، ومن ثم يتكاسل في تطبيق التزاماته فيها، وكان آخرها التكاسل الأخير المبني على إرادة تحقيق صورة الاقتدار واليمينية تجاه شركائه في الائتلاف، ما دفعه إلى الالتفاف على التزاماته مما وردت في الاتفاقات السابقة.

في تسريبات الجيش الإسرائيلي تعارض واضح مع قصة الانتصار التي قادها نتنياهو


على هذه الخلفية، أكدت المؤسسة العسكرية، في تسريب لوسائل الإعلام العبرية أمس، أن التقديرات تشير إلى إمكان تجدد القتال خلال أيام أو أسبوعين أو ثلاثة كحد أقصى، ما لم يجرِ العمل على تعزيز الجهود السياسية لتحسين الوضع الإنساني في غزة، ما يعني أن الهدوء الذي تحقق لن يدوم طويلاً. وكما يبدو هذه التقديرات مبنية على واقع تتلمسه المؤسسة العسكرية من نتنياهو نفسه، في أنه غير معني ولا يريد، أقله في المرحلة الحالية، تنفيذ التزاماته مقابل غزة، وسيعمد إلى تقطيع الوقت وتمريره بلا موجبات. وفي المقابل، يدرك الجيش الإسرائيلي أيضاً أن المقاومة غير قادرة على التعايش مع الوضع القائم، وستعمل على دفع مصالحها مهما كانت الأثمان.
في السياق الواضح، أن في تسريبات الجيش الإسرائيلي تعارضاً واضحاً مع قصة الانتصار على غزة التي قادها نتنياهو، والإنجازات التي تحدث عنها الجيش نفسه. إذ إن التقدير حول حتمية التصعيد يؤكد فساد مقولة الضربة الهائلة التي عززت ردع إسرائيل لدى غزة. فكيف ترتفع احتمالية تجدد التصعيد وعلى المدى القصير أيضاً، وبمبادرة من الفصائل أو رد فعل على اعتداء، في موازاة ارتفاع منسوب الردع الإسرائيلي؟ وإن كانت تسريبات الجيش تحذيراً للمستوى السياسي من الاستمرار في المماطلة ومواصلة التضييق على غزة، أو كانت مبنية على جملة معطيات من بينها المماطلة، فالأمر سيان، ولا فرق إزاء صحة التقدير وصوابية النتيجة التي توصل إليها: جولة التصعيد مقبلة خلال أيام أو أسابيع معدودة ما لم تعطَ الفصائل ما تريده.
على صعيد آخر، كان من نتيجة التصعيد الأخير جملة انتقادات ضد نتنياهو من اليمين واليسار الإسرائيليين، ما عدا معظم سياسيي حزب «الليكود»، بطبيعة الحال، الذين روّجوا مع نتنياهو قصة الانتصار على غزة. إذ انتقد زعيم المعارضة في الكنيست، رئيس حزب «أزرق أبيض»، بيني غانتس، قرار نتنياهو الموافقة على وقف النار مع «حماس». وقال غانتس إنه «أُطلق ما يقرب من 700 [صاروخ] على الأراضي الإسرائيلية، سببت الكثير من الإصابات والخسائر، وكلها ناتجة من فقدان الردع. انتهت الجولة بمزيد من الاستسلام لابتزاز "حماس" والمنظمات الإرهابية، وكل ما فعلته الحكومة، مرة أخرى، هو تأخير موعد جولة التصعيد المقبلة».
وفيما قال وزير المالية السابق يائير لبيد، إن نتنياهو يستخدم «سكان الجنوب (مستوطنات الجنوب) كسترة واقية في طريقه إلى الاستسلام التام لحماس»، أيد رئيس «العمل»، آفي غباي، وقف النار، لكنه أكد أن سياسة نتنياهو عززت «حماس»، و«ها هي الآن تبدأ كذلك في تعزيز (حركة) الجهاد الإسلامي، والواضح أن جولة التصعيد المقبلة مسألة وقت لا أكثر». على خط مقابل، وفي دفاعه عن موقف نتنياهو، الذي يكشف ضيق خيارات إسرائيل العملية وتعذّرها، قال عضو «المجلس المصغر»، وزير الطاقة، يوفال شتاينتس، إن «التخلص من حماس يستدعي منا اجتياح غزة. هذا ممكن من ناحية القدرة العسكرية، لكن الأثمان ستكون باهظة جداً».