غزة | سبع سنوات مرّت على حرب غزة الثالثة عام 2014 (الجرف الصامد إسرائيلياً، والعصف المأكول فلسطينياً) والتي كشفت خلالها المقاومة الفلسطينية عن امتلاكها قدرات عالية على مواجهة العدوان برّاً وبحراً وجوّاً، فيما فشل الاحتلال في تحقيق أهدافه طيلة 51 يوماً، ليكتمل فشله بفقدانه جنديَين من قوّاته، وعجزه عن تدمير منظومة الأنفاق ووقف إطلاق الصواريخ، كما عن ردع المقاومة. وخلال هذه المعركة تحديداً، تأكّد للعدو، بجميع مستوياته السياسية والأمنية والعسكرية، أنه لا حلّ مع قطاع غزة عسكرياً، وهو ما جاء على لسان وزير العلوم الأسبق، يعقوب بيري، في اليوم التالي لانتهاء الحرب، حيث قال: «لا يوجد حلّ عسكري للصراع، وما نحن بحاجة إليه هو الذهاب إلى حلّ سياسي». والفارق في معركة 2014 أنها ولّدت ضغطاً عسكرياً واضحاً على الجبهة الداخلية في دولة الاحتلال، للمرّة الأولى منذ حرب تموز 2006، الأمر الذي عزّز معادلة الردع مع العدو، ودفَع المقاومة إلى تركيز تفكيرها الاستراتيجي على نقل المعركة إلى «أرض العدو»، عبر شلّ الجبهة الداخلية لديه، وهو ما بدا تأثيره واضحاً خلال معركة «سيف القدس» أخيراً.


هكذا بدأت الحرب
بدأت المعركة بعد أسر مقاومين من حركة «حماس» ثلاثة مستوطنين في الضفة الغربية المحتلّة، حيث تلا ذلك إحراق متطرّفين من المستوطنين عائلة دوابشة داخل منزلها، واعتقال الاحتلال الأسرى المحرَّرين بموجب صفقة «وفاء الأحرار» عام2011، تزامناً مع قصف أحد أنفاق المقاومة في رفح جنوب قطاع غزة، ما أدّى إلى استشهاد 7 مقاومين. وفي اليوم الأول من الحرب، استدعى الاحتلال 40 ألفاً من قوّات الاحتياط، وشرع في قصف مختلف مناطق القطاع، مستهدفاً منازل المدنيين، ما أدّى إلى وقوع عدد من المجازر، وهو ما ردّت عليه المقاومة بقصف مستوطنات «غلاف غزة»، قبل أن تبدأ بزيادة مديات صواريخها لتصل إلى مدن محتلّة مختلفة. وتسبّب العدوان بإبادة عائلات كاملة في غزة بعد قصف منازلها من دون سابق إنذار، إذ كشفت معطيات دولية أن إسرائيل كانت تطلق يومياً أكثر من ألف قذيفة وصاروخ ثقيل من المدفعية والطيران والزوارق البحرية، على مدار الساعة. كثافة نارية أرادت دولة الاحتلال من خلالها تحقيق أمرَين: الردع والعقاب؛ ردع المقاومة عن شنّ هجمات صاروخية ضدّ المستوطنات والمدن المحتلّة، وأيضاً عن استعمال شبكة الأنفاق العابرة للحدود للقيام بعمليات عسكرية خلف الحدود؛ ومعاقبة البيئة الحاضنة للمقاومة عبر تدمير البنية التحتية المدنية بما فيها آلاف المنازل السكنية. إلّا أن كلّ ذلك فَشل في منْع المقاومة من تعزيز قدراتها العسكرية والشعبية لتصل إلى مستويات لم تبلغها من قبل.

استطاعت صواريخ المقاومة تجاوُز «القبّة الحديدية» وهو الأمر نفسه الذي لا تزال إسرائيل عاجزة عن إيجاد حلّ له


مفاجآت نوعية
في اليوم الثاني للحرب، أخرجت المقاومة أولى مفاجآتها، عندما نفّذت وحدة خاصة من قوات «الكوماندوز» البحري التابعة لـ»كتائب القسام»، الجناح العسكري لحركة «حماس»، عملية إنزال بحري داخل قاعدة «زيكيم». وبينما تكتّم العدو على خسائره في تلك العملية، كشفت فيديوات مسرّبة من كاميرات المراقبة التابعة لجيش الاحتلال ضراوة المقاتلين واشتباكهم المباشر مع الجيش وتفجيرهم إحدى الدبّابات من مسافة صفر. عقب ذلك، بدأت المقاومة تنفيذ عمليات إنزال خلف خطوط العدو على طول حدود قطاع غزة، ما أدّى إلى مقتل العديد من الجنود وتدمير عدد من المعدّات العسكرية والتجسّسية في مواقع «نحال عوز» و»أبو مطيبق» و»موقع 16 العسكري». وفي أحد الفيديوات التي نشرتها المقاومة للعمليات المذكورة، ظهر مقاتلون من المقاومة وهم يضربون جندياً إسرائيلياً ويقتلونه ويأخذون سلاحه، ما مَثّل إهانة للعسكرية الإسرائيلية برمّتها. إهانةُ أكملت المقاومة رسم مشهديّتها بأسرها جندياً وضابطاً، أثناء محاولة قوّة إسرائيلية اقتحام حيّ الشجاعية شرق مدينة غزة.
وعلى مستوى الصواريخ، فاجأت المقاومة العدو بقصفها مدينتَي عسقلان وتل أبيب بعشرات الصواريخ، ما ولّد حالة من الشلل في المناطق الحيوية في دولة الاحتلال، بما فيها مطار بن غوريون، كما كشفت عن امتلاكها صواريخ تصل مدياتها إلى 160 كلم، فيما حافظت على مستوى ناري ثابت لا يقلّ عن 100 صاروخ يومياً. والأهمّ من ذلك أن الصواريخ الفلسطينية استطاعت، عبر اتّباع نظام الرشقات، تجاوُز «القبّة الحديدية»، وهو الأمر نفسه الذي لا تزال إسرائيل عاجزة عن إيجاد حلّ له. أمّا المفاجأة الأخيرة، فهي كشْف المقاومة، لأوّل مرّة، عن امتلاكها طائرات مسيّرة عن بعد من طراز «أبابيل» محلّية الصنع، وتحليق إحدى هذه الطائرات فوق مبنى وزارة الجيش ورئاسة الوزراء في مدينة تل أبيب، والتقاطها صوراً جوّية للمكانَين أثناء الحرب.

خسائر متبادلة
على رغم البسالة التي أظهرتها المقاومة خلال 51 يوماً من الحرب، إلّا أن الخسائر كانت كبيرة لدى الفلسطينيين ودولة الاحتلال على السواء. إذ أظهرت تقارير حقوقية أن العدو قتَل 1742 فلسطينياً، 81% منهم من المدنيين، بينهم 530 طفلاً و302 امرأة، بالإضافة إلى 340 مقاوماً. كما جَرح 8710 من مواطني القطاع، ودمّر 62 مسجداً بالكامل و109 مساجد جزئياً، وكنيسة واحدة جزئياً، و10 مقابر إسلامية ومقبرة مسيحية واحدة، فيما فَقد نحو مائة ألف فلسطيني منازلهم وعددها 13217 منزلاً، وأصبحوا بلا مأوى. في المقابل، قُتل 64 جندياً وستّة مستوطنين، وفق اعترافات الاحتلال، ومن بين الجنود القتلى مَن يحملون أيضاً جنسيات أخرى كالأميركية والبلجيكية والفرنسية، وغيرها، فيما وصلت الخسائر الاقتصادية إلى 560 مليون دولار في قطاع السياحة، و370 مليون دولار في غيره.