في يوم حزين، هو السابع من تموز 2021، رحل عن عالمنا القائد الفلسطيني الكبير، أحمد جبريل، «أبو جهاد»، أحد مؤسّسي الثورة الفلسطينية المعاصرة، و«منظمة التحرير الفلسطينية». وبرحيله، فقدت الحركة الوطنية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، كما الأمّة العربية والإسلامية وأحرار العالم، مقاتلاً عنيداً لا يعرف اليأس والخنوع.

وجد جبريل نفسه مع عائلته وأهله لاجئاً في سوريا بعد نكبة عام 1948. ومنذ أواسط خمسينيات القرن الماضي، بدأ يفكّر بتأسيس حركة يكون هدفها تحرير فلسطين. فانخرط، لتلك الغاية، في الكلية العسكرية، ودرس في مصر وتخرّج ضابطاً همُّه أن يعود إلى وطنه ويردّ على الجريمة الكبرى، جريمة اقتلاع الشعب العربي الفلسطيني من أرضه وتشريده في كل أصقاع الأرض. وعلى مدى أكثر من 65 عاماً، ناضل «أبو جهاد» وكافح وخاض كل معارك الثورة الفلسطينية المعاصرة مقاتلاً شجاعاً حتى آخر لحظة من حياته.
تميَّزت تجربة القائد أحمد جبريل، على مدى العقود الستة الماضية، بإيمانه بمجموعةٍ من الثوابت والمبادئ التي لم يحِدْ عنها قيْد أنملة، على رغم كل التحوّلات والعواصف التي مرّت على المنطقة العربية والعالم؛ وأهمّ هذه الثوابت والمبادئ:
أولاً: آمن «أبو جهاد» بعمق، بأن الصراع مع المشروع الصهيوني هو صراع وجود بكل ما للكلمة من معنى؛ فرفض بشكل قاطع نهج التسويات والتنازلات والحلول السياسية التي تؤدّي إلى الاعتراف بالكيان الإسرائيلي. ولذلك، كان أحد مؤسّسي «جبهة الرفْض الفلسطينية» التي تمّ تشكيلها بعد «حرب أكتوبر» عام 1973، عندما تمّ طرْح مسألة التسوية السياسية ومؤتمر جنيف. إذ كان يرى أن الانخراط في التسويات السياسية، هدفه تكريس الوجود الصهيوني والكيان الإسرائيلي على أرض فلسطين، فبقي ثابتاً على مواقفه، على رغم كل ما شهدته الساحة الفلسطينية والعربية من تحولات في المفاهيم والمواقف.

تميَّزت تجربة جبريل بإيمانه بمجموعةٍ من الثوابت والمبادئ التي لم يحِدْ عنها


ثانياً: آمن بأن قضيّة فلسطين هي قضيّة عربية، ورفَض كل محاولات عزلها عن عمقها العربي، لإيمانه بأن تحرير فلسطين مهمّة عربية، وليست مهمّة فلسطينية فحسب، لأن الخطر الصهيوني لا يهدِّد الشعب الفلسطيني وحده، بل الأمّة العربية بأسرها.
كذلك، كان يرى أن للقضيّة الفلسطينية بُعدها الإسلامي، وخاصّة بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، ووقوف طهران الكامل إلى جانب الشعب الفلسطيني، فضلاً عن تقديمها كلّ أشكال الدعم للثورة الفلسطينية والمقاومة الفلسطينية. كما كان يؤمن بالبُعد التحرّري العالمي للقضيّة الفلسطينية.
ثالثاً: آمن المناضل أحمد جبريل بعمق بمحور المقاومة وبقدرته على تعديل موازين القوى في المنطقة. ولذلك، ربطته علاقات وثيقة بهذا المحور: سوريا، الجمهورية الإسلامية الإيرانية، المقاومة اللبنانية بقيادة «حزب الله»، المقاومة العراقية، والمقاومة في اليمن. وكان يحظى باحترام وتقدير جميع أطراف هذا المحور.
رابعاً: كان الراحل الكبير «أبو جهاد» يؤمن بعمْق بالمقاومة المسلَّحة كخيار استراتيجي في مواجهة الكيان الصهيوني، وأنَّ ما أُخذ بالقوّة لا يستردّ بغير القوّة. وقد جاءت الأحداث والوقائع لتؤكد صحّة ما سبق، بعدما ثبُت فشل خيار ما سُمّي بعملية السلام المزيّفة، والتي كان هدفها الوحيد ضرب المشروع التحرّري للشعب الفلسطيني.
في الوقت الذي نتقدم فيه بأحرّ التعازي إلى شعبنا الفلسطيني وأمّتنا العربية والإسلامية وإلى رفاق الدرب في «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة»، وإلى الرفيق المناضل الدكتور طلال ناجي وأعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية، فنحن على ثقة بأن رفاق القائد الكبير أحمد جبريل في «القيادة العامة» سيواصلون درب الكفاح والنضال حتى تحرير كل ذرّة من تراب فلسطين. وفي الختام نتوجّه بأحرّ التعازي إلى عائلة وأبناء القائد «أبو جهاد»، الأخ أبو العمرين، والأخ بدر، وجميع أفراد عائلته.

* عضو المكتب السياسي
لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»