يقف «الرفيق سلّوم» في مقدمة المعتصمين، على الطريق الداخلية في ضبية. يلوّح براية شيوعية كبيرة، وهو يُردّد كلمات أغنية «أناديكم». نزل إلى الشارع أمس، مُلبياً دعوة الحزب الشيوعي اللبناني إلى التظاهر أمام السفارة الأميركية في عوكر، اعتراضاً على زيارة وزير الخارجية الأميركية مايكل بومبيو. فبالنسبة إلى الرفيق سلّوم، «بومبيو يأتي من أجل أن يُدمّر لبنان»، لذلك كان من الطبيعي أن يحمل رايته ويُشارك في الاعتصام. صحيح أنّ عدد المُشاركين لم يكن كبيراً. العشرات فقط كانوا حاضرين. لكنّ مكمن الخطر وأهداف الإدارة الأميركية المرسومة للبنان والمنطقة، واضحة للجميع. حنين ألغت أكثر من موعدٍ كانت ملتزمة إياها، مُفضّلة المشاركة، مع عددٍ من زملائها في الجامعة، في اعتصام أمس. لم يتواصل معهم أحدٌ من «الشيوعي»، أو غيره من التنظيمات الحاضرة، من أجل تشجعيهم على الحضور. عرفوا بوجود اعتصام يُنظّمه الحزب الشيوعي والتنظيم الشعبي الناصري والحركة الوطنية للتغيير الديمقراطي والحزب الديمقراطي الشعبي وحزب الطليعة والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، فقرّروا أن «نأتي لنقول لا». تقول حنين إنّها كمواطنة، تنتمي إلى مشروع المقاومة، «لا يُمكنني أن أقوم بشيء أكثر من الاعتصام لأُعبّر عن الرفض. البعض يُقاوم بالعسكر، وآخرون بالسياسة، ونحن بالاعتصام». سهام كانت أيضاً حاضرة، حاملةً لافتة مكتوباً عليها: «مشاريعكم لن تمرّ. سنواجه وننتصر. نفطنا وغازنا لنا». ليست المرّة الأولى التي تُشارك فيها السيّدة في اعتصامات شعبية، «أقلّ شيء يجب أن نقوم به هو الاعتصام. الأميركيون خلقوا الدمار، ويستعمرون بلادنا بطرق مباشرة وغير مباشرة». أمام هذا الواقع، «من حق الشعوب أن تعترض، من الاعتصام وصولاً إلى العمل المقاوم». تزيد سهام أنّ كلّ الشعوب العربية «التي تعرّضت لاستعمار ودمار الأميركيين، يجب أن تنتفض». وغير مُهم بالنسبة إليها عدد المُشاركين في اعتصام أمس، «المهم أن يصل الصوت، فنحن لا نُركز على العدد بقدر الوقفة بحدّ ذاتها. العديد من الأشخاص لا يُحبون ربّما أن ينزلوا إلى الشارع». ما لم تقله سهام، ولكنّه واقعٌ بات يتكرر عند كلّ مناسبة، أنّ القوى الوطنية واليسارية لم تتمكن بعد من توحيد جهودها، لكنها تشكو سيطرة الأحزاب الطائفية. وحتى «المفاجئ» في مكانٍ ما، هو عدم حماسة جمهور فريق ٨ آذار لتحرّك لا يحمل أي عناوين داخلية، بل موجّه ضدّ سياسة الولايات المتحدة الأميركية، ويُناصر المقاومة وفلسطين. يقول الأمين العام السابق للحزب الشيوعي الدكتور خالد حدادة إنّ «تركيبة المقاومة، ذات الطابع المذهبي، تخشى من أن يكون لأي تحرك انعكاسات مذهبية». يتحدّث حدادة عن ضغوط تُمارسها واشنطن على ثلاثة مستويات: «الحصار الاقتصادي واللعب على التناقضات الداخلية، قضية النازحين السوريين، ومحاولة فرض حلّ لترسيم الحدود البحرية وفقاً لمصلحة إسرائيل. هذه الضغوط ستُتوج بنوع من التوتر، ويُمكن أن يكون أمنياً». بدوره، يتحدّث ممثل الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين علي فيصل، عن وجود «مصلحة لبنانية - فلسطينية برفض صفقة القرن». فوقفة أمس «احتجاجية، رفضاً لجولة بومبيو التي تستهدف الشعب. الأساس أن نوصل رسالة».
غريب: بومبيو أتى ليفرض تعليماته بتوطين اللاجئين الفلسطينيين تنفيذاً لصفقة القرن


توقيت الاعتصام كان قد حُدّد عند الخامسة عصراً، ولكن لم يكن قد حضر بهذه الساعة سوى عدد قليل من الأشخاص. زحمة السير الخانقة، بسبب مغادرة أكثرية الناس وظائفهم والأعمال على جسر جلّ الديب، أدّت دوراً في تأخر وصول المشاركين. مثلاً، وفد التنظيم الشعبي الناصري وصل من صيدا، عند السادسة والنصف، بعد أن كان الاعتصام قد انتهى. وقد نُصح مُشاركون آخرون، علقوا بزحمة السير، بالرجوع من حيث أتوا وعدم الإكمال باتجاه ضبية. كذلك فقد كان متوقعاً ألّا تكون نسبة المشاركة مرتفعة، لأنّ الخميس يوم عمل، ويتعذّر على قسم من الحزبيين والمناصرين أن ينتقلوا من مناطقهم إلى عوكر. «كنا أمام خيارين: إما أن نُنظم شيئاً، أو لا، ولكن لم تكن لتمرّ زيارة بومبيو من دون رسالة اعتراضية»، يقول أحد المنظمين الشيوعيين. أقفلت القوى الأمنية الطريق الداخلية في ضبية، مانعةً مرور السيارات باتجاه ساحة عوكر. التعزيزات بدأت منذ ظهر أمس، ما أدّى إلى ارتفاع نقمة أصحاب المحال التجارية، الذين راهنوا على مناسبة عيد الأم لرفع مبيعهم. ولكنّهم عوض أن يوجهوا سهامهم بالاتجاه الصحيح، لاموا المعتصمين على اختيار هذا التوقيت. بدأ المشي من ضبية باتجاه ساحة عوكر، قبل أن يصل الأمين العام لـ«الشيوعي» حنا غريب، ويرى البوابة الحديد التي وُضعت، مُزنرة بالأسلاك الشائكة، للحؤول بين المعتصمين ومقرّ السفارة الأميركية. عناصر الدفاع المدني وقفوا «يحرسون» البوابة الحديد من الخلف عوض أن يكونوا داخل عرباتهم، حامين أنوفهم بأقنعة سوداء، ويُصورون «الحدث». خلفهم، كان عناصر مكافحة الشغب، وبين عشرات المعتصمين لوحظ وجود عناصر أمنيين وعسكريين.
ألقى غريب كلمة الاعتصام، بنبرةٍ هادئة، موضحاً أنّه «نُعلن موقفاً وطنياً مقاوماً ضدّ زيارة بومبيو، لما تحمله من أخطارٍ كبيرة». فوزير الخارجية الأميركي، يأتي إلى لبنان «ليفرض تعليماته بتوطين اللاجئين الفلسطينيين تنفيذاً لصفقة القرن، ويفرض على لبنان ترسيم الحدود البحرية بما يتناسب مع مصلحة الكيان الصهيوني في نهب الثروة النفطية، ولمنع عودة النازحين السوريين، ومنع لبنان من المشاركة في إعادة إعمار سوريا ومواصلة الشرخ بين البلدين الشقيقين، وأيضاً للتحريض على خيار المقاومة وحصارها، ورفض تسليح الجيش اللبناني إلا من خلالهم (واشنطن)». وأضاف غريب أنّ بومبيو «يستخدم الأزمة الاقتصادية - المالية لفرض المزيد من الضغوط والقبول بشروطهم، ما يُشكل تدخلاً سافراً في الشؤون الداخلية». الاعتصام أمام سفارة الولايات المتحدة، يأتي تأكيداً لكونها «رأس الإرهاب العالمي، ويجب مقاومتها. إنها عدوة الشعوب والراعية للكيان الإسرائيلي، وسفارتها رمز للعدوان والغطرسة».
انتهى الاعتصام بـ«سلام»، من دون حصول أي اشتباك. ولكنّ المعتصمين حرصوا على رفع العلمين الفلسطيني و«الشيوعي» على الشريط الشائك، مع صور الشهداء الفلسطينيين عمر أبو ليلى وباسل الأعرج وأحمد جرار، صادحين: «يا أمريكي اسمع اسمع، مشاريعك ما رح تقطع». ولا تمرّ مناسبات كهذه من دون توجيه تحية إلى المقاوم جورج إبراهيم عبد الله. رُدّد هتاف: «جورج عبد الله علّمنا، ما منساوم على وطننا».