يُصوَّر نوّاب حاكم مصرف لبنان الأربعة بأنهم «غير مشاكسين»، وبأنهم على عكس نوّاب سابقين لحاكم المصرف المركزي، لا «يرفعون أي اعتراض في وجه رياض سلامة، ويردّدون كل جملة يقولها» («الأخبار» في 16/3/2019، و28/3/2019)، ما سمح لسلامة باتخاذ الكثير من القرارات بعيداً من أي رقابة ومساءلة، وهو ما يدفعه إلى فرض التجديد لهم كلّما انتهت ولايتهم... إلّا أن هذا السلوك المُهادن ليس «ببلاش»، أقلّه، هذا ما تبينه مستندات حصلت عليها «الأخبار»، تكشف عن عمليات بيع عقارات يملكها مصرف لبنان، جرت بين الحاكم رياض سلامة ونائبه الرابع هاروتيون ساموئليان، وأدت إلى تحقيق «منفعة شخصية» لا يجيزها القانون، بل يجرّمها.


لا تشكّل هذه الحالة إلا أحد الأمثلة عن المنافع التي يوزّعها حاكم مصرف لبنان من المال العام (مروان بوحيدر)

تبيّن هذه المستندات أن ساموئليان اشترى، تباعاً خلال 3 سنوات، 4 عقارات في منطقة الزلقا العقارية (المتن الشمالي)، مملوكة من مصرف لبنان: جرت عملية البيع الأولى عام 2010، وشملت العقارين 232/38/A و232/39/A، الذي يملك ساموئليان حق استثمارهما، وتملك زوجته هسميك أغوب باقرادونيان حق الرقبة. أمّا العملية الثانية، فقد جرت عام 2011، إذ اشترى ساموئليان العقار رقم 232/40/A بقيمة 117 ألف دولار، ووفقاً لعقد البيع، فقد «أقرّ البائع، أي مصرف لبنان ممثلاً بشخص سعادة الحاكم الأستاذ رياض سلامة، بقبضه من الشاري بموجب شيك رقم 145443 تاريخ 11/11/2011، مسحوب من قِبَل بنك بيبلوس على حسابه لدى مصرف لبنان». وقد أبرم العقد بالاستناد إلى موافقة المجلس المركزي لمصرف لبنان رقم 1/37/10 تاريخ 8/12/2010. فيما جرت العملية الثالثة عام 2013، لشراء العقار 232/41/A بقيمة 200 ألف دولار، دفعها ساموئليان لمصرف لبنان بموجب شيك رقم 424476 تاريخ 4/2/2013، مسحوب من قِبَل بنك لبنان والمهجر على حسابه لدى مصرف لبنان. وقد أبرم عقد البيع بالاستناد إلى موافقة المجلس المركزي لمصرف لبنان رقم 30/4/13، تاريخ 23/1/2013.
تنطوي عمليات البيع على تضارب مصالح واضح واستغلال للوظيفة


وفقاً لمصدر قضائي (رفض ذكر اسمه)، تنطوي هذه العمليات الأربع على «تضارب مصالح واضح واستغلال للوظيفة، إذ لا يحقّ لأي موظّف أن تكون له مصلحة في الإدارة التي يتبع لها. ومن الواضح أن هذه العمليات حصلت بموافقة الحاكم لمصلحة نائبه، ما يرتّب عليهما شبهة دفع وتلقي رشوة». يوضح المصدر القضائي أن «هذه الممارسات تشكّل خرقاً للمواد المتعلّقة بالجرائم المُخلّة بالوظيفة من قانون العقوبات اللبناني (المواد 351 و353 و364)، إذ لا يحقّ لأي موظّف أو شخص ندب إلى خدمة عامّة سواء بالانتخاب أو بالتعيين أو كلّف بمهمّة رسمية أن يقبل لنفسه أو لغيره بأي منفعة خاصّة من الإدارة التي يعمل فيها، ويعاقب عليها الطرفان بالعقوبة نفسها التي يحدّدها القانون بالسجن والغرامة. فضلاً عن أن مخالفة هذه المواد من قانون العقوبات قد تمّ لحظها في المادة 19 من قانون النقد والتسليف التي تنصّ على إقالة الحاكم من وظيفته في حال الإخلال بها».
لا تشكّل هذه الحالة إلا أحد الأمثلة عن المنافع التي يوزّعها حاكم مصرف لبنان من المال العام، وهي لا تقتصر على تملك العقارات بأسعار مخفّضة وتحقيق أرباح عليها، بل تشمل أشكالاً أخرى ومتنوّعة. لا يتميّز ساموئليان عن زملائه، سوى أنه الأقدم بينهم، إذ تولّى منصب نائب الحاكم الرابع بين عامي 1993 و2003، ومن ثمّ أعيد تعيينه مع النوّاب الثلاثة الآخرين عام 2009، وجُدِّد لهم عام 2014 لولاية ثانية انتهت في 31 آذار/ مارس الماضي. والآن، تحصل ضغوط كبيرة لإعادة تعيينه مع النواب الآخرين.