ينتظر الفلسطينيون في لبنان، مواطنين وفصائل، بفارغ الصّبر، الأجواء التي ستخرج بها جلسة مجلس الوزراء اليوم، حيال مسألة العمالة الفلسطينية. وتكاد تكون الجلسة الثانية بعد انتظام عمل الحكومة، محطّة مفصليّة في المسار الذي ستسلكه التحركات الشعبية في مخيمات لبنان، ولا سيّما مخيمات الجنوب والشمال، التي أخذت زخمها منذ شهر ونصف شهر على وقع إجراءات وزير العمل كميل بو سليمان وتصريحاته الاستفزازية للفلسطينيين، وانضمام آخرين إلى موجة التصعيد ضد هذه العمالة، على هامش التعامل الشعبوي مع ملفّ النازحين السوريين.

خلال الجلسة الماضية، التي طرح فيها رئيس الحكومة سعد الحريري تجميد إجراءات وزير العمل بحقّ العمال الفلسطينيين، لم يكتب للنقاش التطوّر واتخاذ القرار الحكومي، بعد أن اعترض عددٌ من وزراء القوات، ثمّ لاقاهم وزير الدفاع الياس بو صعب وآخرون، بحجّة غياب وزير العمل. وفيما قارب بو صعب الأمر من زاوية عدم جواز اتخاذ الحكومة قراراً بغياب الوزير المعني وتكرار هذه السابقة مستقبلاً، عرض الوزير وائل أبو فاعور على الحكومة اتخاذ قرار تعطيل إجراءات الوزير، لكن مع الامتناع عن إظهار هذا الأمر في الإعلام، من دون أن يصل المجتمعون إلى قرار، على أن يُستكمَل النقاش في جلسة اليوم.
وخلال الأيام الماضية، جرت العديد من الاتصالات بين وفد الفصائل الفلسطينية، وجولات لوفد حركة حماس على القوى السياسية الرئيسية في البلاد، لوضع اللبنانيين في وجهة النظر الفلسطينية، التي تركّز أساساً على ضرورة إسقاط الحاجة إلى إجازة العمل للفلسطينيين، من خلفية سياسية وإجرائية بالتوازي، تحضيراً لجلسة الحكومة. واستند الفلسطينيون إلى أن معاملة اللاجئين في المبدأ، بصرف النظر عن الإجراءات والتسهيلات، معاملة الأجانب عبر إجازة العمل، ليس أمراً وارداً الآن، وإن كان في ما مضى عنواناً للنقاش، إلّا أنه اليوم بات يحمل أبعاداً سياسية لا تخدم التوافق اللبناني - الفلسطيني على مواجهة صفقة القرن التي يستهدف أساساً تصفية ملف اللجوء في لبنان ودلالاته بالتوازي مع الإجراءات ضد مدينة القدس ووكالة الأونروا والتطبيع الإسرائيلي مع الدول العربية.
وبحسب المعلومات، فإن الموقف العام الذي توافق عليه الحريري والرئيس نبيه بري وحزب الله والحزب التقدمي الاشتراكي وتيار المردة، هو التوجّه نحو تجميد قرارات بو سليمان، والطلب من مجلس النواب تعديل قانون العمل الصادر عام 2010، بحيث يُستثنى الفلسطينيون من الإجازة. وفي ذات الوقت، سقط من الحسابات الطرح السابق، الذي جرى الحديث عنه لإصدار مرسوم تطبيقي يشرح قانون العمل ويضمن التسهيلات للفلسطينيين، ما دام الأمر يدور حول ضرورة حصول الفلسطينيين على إجازة العمل وأبعادها السياسية بمعاملة الفلسطينيين بالمبدأ معاملة الأجانب. وهذا التوافق بين بري والحريري أُبلِغ رسمياً للأطراف الفلسطينية.
في المقابل، لا يبدو أن وزراء القوات والتيار الوطني الحرّ، في وارد السير بتوافقات القوى السياسية الأخرى. ويتوقّع أكثر من وزير حفلة مزايدة شعبوية اليوم، في إطار التنافس بين الفريقين على رفع السقف ضد العمالة الفلسطينية. وهذا الأمر قد يعطي أبعاداً طائفية خلال جلسة اليوم، في حال انقسام مجلس الوزراء بين أغلبية مسلمة تؤيّد تجميد قرارات الوزير، وأغلبية مسيحية ترفضها.

التوجّه هو لتجميد القرارات والطلب من مجلس النواب تعديل قانون العمل واستثناء الفلسطينيين


ومع أن وزير العمل، بحسب أكثر من مصدر فلسطيني، أوعز إلى فرق وزارة العمل إلى تخفيف ضغط الإجراءات على الفلسطينيين، إلّا أنه يرفض إعلان هذا الأمر عبر الإعلام، بما يساعد القوى الفلسطينية على امتصاص تحركات المخيمات. وعلى العكس، يذهب الوزير نحو التصريحات الاستفزازية، مزوّداً الشارع الفلسطيني بزخمٍ لتسعير لتحركات الشعبية.
ولم يعد كثيرون، فلسطينيين ولبنانيين من المعنيين بالملفّ، يحصرون إجراءات وزير العمل في خانة المهنيّة وضمن الخطة الحكومية الساعية إلى تنظيم العمالة الأجنبية (تستهدف العمالة السورية بالدرجة الأولى) للحدّ من البطالة اللبنانية، ولاحقاً تصريحاته في خانة المنافسة مع التيار الوطني في الساحة المسيحية. بل بات هؤلاء يصنفون سلوك الوزير ومن خلفه رئيس حزب القوات سمير جعجع، جزءاً من مشروع عام، يصبّ في سياق توتير الساحة الفلسطينية في لبنان، على وقع الاستهداف الأميركي والإجراءات الهادفة إلى تصفية ملف اللجوء الفلسطيني عموماً.
وعلى ما تظهر حركة التظاهرات في المخيمات، واستمرار التحركات باندفاع، ولا سيّما تظاهرات أمس الحاشدة في الجنوب والشمال، تنتظر الفصائل الفلسطينية جلسة اليوم لتبني على الشيء مقتضاه، إن بامتصاص التحركات الشعبية في حال نجاح الحكومة في لجم إجراءات الوزير، أو برفع وتيرة تحرّكات الفلسطينيين، لكن مع تنظيمها خوفاً من استغلالها من قبل جهات أخرى أو جماعات إرهابية تحاول الاستثمار في الهبّة الشعبية لإيقاع أحداث أمنية في المخيمات، كما حصل خلال الأسبوعين الماضيين في مخيم عين الحلوة.