المدينة بصورتها التي نعرفها سقطت. ما سيأتي لاحقاً سيكون من تداعيات السقوط. حرّرها أهلها والقادمون من الأطراف لاستعادتها. بات هذا معروفاً للزائرين وحتى للمتفرجين. لكن عن قرب، تبدو شبكة العلاقات بين المتظاهرين أكثر تعقيداً. على الأرض، وحتى الآن، نجح المتظاهرون في احتواء التعقيدات، عبر «عقد اجتماعي» غير معلن، يحدد شرعية كل منهم، مساحته، حقوقه وواجباته. ومثلما اتضح الانقسام الطبقي في البلد إلى طبقتين، حيث كل طبقة تدافع عن مصالحها عبر أدواتها، تشهد الساحتان نزاعاً غير معلن، بين مجموعة تمثل مصالح متضرّرة بشكل رئيس من تراكم رأس المال في قبضة القلة، وفئة على حافة الالتحاق بهؤلاء.


طبقة ضدّ طبقة
في المساحة الفاصلة بين ساحتي الشهداء ورياض الصلح، يمكن رصد تقاطع بين المجموعتين الاعتراضيتين، على مستوى الثقافة. قادمون من الأطراف، بمطالب سياسية متشابهة. قادمون من الضواحي، لكنهم مأخوذون بخطاب ليبرالي، يظهر في شعارات يحملونها على لافتاتهم، باللغات الأجنبية خاصةً. حضورهم في الساحة خلف أصحاب الحناجر القوية، هو حضور عملياً ضد هذا الخطاب. هؤلاْء، غالباً، من خرّيجي الجامعات، وقد جرّبوا الحصول على وظائف معقولة. وغالباً لديهم سيارات، بالتقسيط، وكانوا يطمحون للاستعانة بقروض الإسكان لشراء منازل. وشعروا فجأة، أن طموحاتهم معرّضة للانهيار. الموسيقى التي يسمعها هؤلاء هي موسيقى البوب التجارية، ولا سيما أغنيتي عاصي الحلاني وجوزيف عطية، اللذين تطبع صوتيهما الجبليين نبرة تلائم ذائقة النيوليبرالية المدينية. وهؤلاء، كما يتضح، بعد الحديث معهم، أنهم شاركوا في اعتصامات وتظاهرات، قادتها البورجوازيات الصغيرة، لا سيما في حراك 14 آذار الشهير. يردد هؤلاء خطاباً اعتراضياً لا يخلو من الشتائم، لكنه ليس حاداً تجاه طبيعة النظام، بل هو حاد ضد منتجاته. لديهم ترف التفكير بالهجرة، ويطالبون بتعليم أفضل وضمانات صحية. وقد تلمس سلوكاً متوقعاً منهم، يتركز في الابتعاد عن الحلقات الآتية من الضواحي، سرعان ما يضمحل، نظراً لطغيان الفئات المتضررة تضرراً حقيقياً. جزء كبير في التظاهرات اضطر للتخلي عن «سلوك» الطبقة الوسطى. طبقة ضدّ طبقة، هذا هو الصراع الآن.
في رياض الصلح، بمعزل عن الشق النظري الطويل، ستكتشف أن الطبقة الوسطى مجرد سلوك. وهمٌ كبير. وقد تخلى عنه المتظاهرون، عندما التحقوا بالطبقة الحقيقية التي ينتمون إليها. جماهير نادي النجمة. سائقو الدراجات النارية. أبناء الضواحي المعدمة. الريفيون الصلبون الذين وجدوا مدينة يابسة بلا روح. أهل الطبقة التي تشتم وتسب وتعلن غضبها بلا حسابات. التظاهرات شعبية، وتالياً على الجميع أن يلحق الشعب.
في اليوم الأول، أجزاء كبيرة منهم، كما بات معروفاً، وصلت على دراجات نارية. فمن هم هؤلاء؟ ربما تصلح هذه المقابلات الخاطفة لأن تكون تمريناً على الفهم:
إملأ الفراغ بالكلمة المناسبة

السائق رقم 1
«أنا من الأوزاعي. بيتنا على الطابق الأرضي. ونحن مخالفون، أخبروا الدولة أننا مخالفون منذ أربعين عاماً، عندما هجّرتنا اسرائيل من بيوتنا، ثم حاولوا تهجيرنا وجرف بيوتنا. أنا من الأوزاعي، قريب من البحر، ولكنهم (….) اخت البحر»

السائق رقم 2
من أنا؟ صاحب محل أراغيل. مصلحة (….). مثل كل المصالح في هذا البلد. أبي معلم كهرباء، ولكن مصلحته (….) من مصلحتي. أين بقية الناس؟ (….) بكل واحد ساكت منهم.
السائق رقم 3
الساحة منيحة، تصلح للتجمع والسهر. لكنها ليست المكان الأنسب للتظاهر. نتظاهر هنا لأننا اعتدنا أن نتظاهر هنا. ربما عودونا على ذلك ويجب أن نتوزع. الحمد لله شاركت وسأشارك في قطع الطرقات أيضاً حتى يحلّوا عن (….).

السائق رقم 4
نحن متعلمون ولسنا فقط (….). هم (….). درست لسنتين في كلية الحقوق ولكني كنت أعمل بعد الظهر. والناس ينجحون بالواسطة ويرسبون بالقوة أيضاً. ما الذي كنت سأصيره؟ محامياً؟ كاتب عدل؟ سأذهب إلى السلك الدبلوماسي؟ لن نذهب إلى أي مكان.

هؤلاء الذين ركنوا دراجاتهم النارية أمام مسجد محمد الأمين، وعلى أطراف الرينغ، تراجعوا قليلاً في اليومين الماضيين، لحساب مجموعات جديدة. قراءة أسباب هذا التراجع قراءة تفصيلية، قد تحتاج إلى السياسة كأداة. لكن اجتماعياً، فمن المفيد العودة إلى فالتر بنيامين وعمله عن فضاء المدينة في الفضاء العام المتصل بها، الفضاء الذي تنتجه هذه المدينة. هذا الفضاء ما زال ينتظرهم لتغييره، رغم تراجعهم.
فضاء المدينة في وسط بيروت واضح في المتاجر الكبيرة على حساب الأرصفة، وفي طفرة السلع غير الممكنة على حساب الممكنة منها، وتحديداً في ما يسميه بنيامين «الممرات المسيجة بالقناطر»، التي تدل على انتصار أصحاب رأس المال، والمرور في كوريدورات حددوها بأنفسهم. السؤال الآن: لماذا لم يتجه الناس إلى الأسواق بعد؟ لا شيء محسوماً بعد، حتى بعد محاولات العسكر فتح الطريق بالقوة، وإرغام الناس على الخروج. لقد خرج الخارجون إلى الساحات من تلك الصورة البليدة التي أريدت لهم، كمتفرجين على واجهات المحال التجارية، بعيون حانقة ووجوه غاضبة لا يرى بعضها البعض قرب المصارف والمحال الرأسمالية الضخمة، بل تكتفي بالتحديق والخنوع. ثمة أمل بالتخلص من الشعور، على الأقل.

الزمان والمكان
لا صوت في الساحة للذين يستولون على الأصوات عادة. الناس فرضوا شعاراتهم وشتائمهم، ولم يلتزموا بفلايرز الجمعيات التي تعتقد أنها بإمكان الحل مكان السلطة الحالية. بالنسبة إلى هذه الجمعيات الساحة مثل المول، يقول أحد المتظاهرين، الذي يصلح أن يكون عينة حقيقية في مختبر المدينة الرأسمالية. والآن، في ساحة رياض الصلح، يشعر أنه أكثر من متفرج، أنه مشارك. الأمل أن يتطور شعوره، وينتبه إلى أن السلع كانت أوهاماً. وأن الجمعيات مثل السلع. رغم ذلك، هناك مقهورون كثيرون، ما زالوا مصدقين أن المولات صُممت من أجلهم، ومن أجل راحتهم. وأن الطعام الذي يدفعون ثمنه هناك يستحق ثمنه.

لا صوت في الساحة للذين يستولون على الأصوات عادة

في الساحات اكتشفوا أن الساحات الكبيرة يمكن أن تكون لهم، وأن بإمكانهم أن يدفعوا أقل. يبنون خطاباً مستقلاً عن خطاب النظام الطائفي الذي عمل لمصلحة الأوليغارشية، ولكنهم يعلمون أيضاً أن معركتهم طويلة، وأنهم قد يخسرون الساحة والطريق والشارع. في المقابل، وبينما تتجمع حلقات يسارية تتفاوت في درجة قربها من الناس، وأخرى «مجتمع مدنية» قرب مبنى «النهار»، يبدو أن حلقة أخرى من الهامشيين، أسقطت سيلاً من التهويلات الاقتصادية التي تعممها الرأسمالية، عن الوقت والمال. هؤلاء الذين ينامون في الساحات، لا يكترثون للمصارف ودورة عملها، ولا لحساباتها التي تحاول مأسسة المدينة وفق برنامجها. ينامون قرب مواقع الإدارات وقرب مفاصل التحكم البيروقراطي برقابهم، غير مكترثين بكل هذه الدورة. احترام الوقت ليس أهم من احترام كراماتهم.
ينسحب على المكان ما ينسحب على الزمان. لطالما تعامل «المجتمع مدنيون» وأصحاب الأوراق والخطط الجاهزة وغير القادرين على تصور أنفسهم خلف الناس لا أمامهم، على أنهم يملكون الحلول. تصرفوا كما لو أنهم يملكون المدينة، وعلى الناس أن يمشوا خلفهم. حتى الآن، لا حديث عن قيمة الليرة، عن مستقبل البلاد، عن كبار المودعين. عن هواجس الناس الحقيقية. الحديث غالبه في خدمة مصالح الطبقة التي تحتكر رأس المال. وحده الشارع يسقط كل شيء، خصوصاً بلا مركزيته، وبحضور القادمين من الأطراف في المركز أيضاً. في الشارع الناس هم الفئة الأقوى، لأن المدن نشأت في الأصل بسبب تركّز جغرافي وسوسيولوجي لفائض الإنتاج، فإن التمدين، كما يسميه دايفد هارفي، كان ظاهرة طبقية بامتياز، لأن الفوائض تستخرج من مكان ما، ومن أشخاص ما، بينما توزع على فئات قليلة. يقول هارفي كلاماً كبيراً قد لا يفهمه المهمشون الحاضرون في المركز، عن استمرار هذا الوضع الرأسمالي، لأنَّ التمدين يعتمد على تحريك فائض الإنتاج، ما يؤدي إلى ولادة علاقة قريبة بين نموِّ الرأسمالية والتمدين. ما يفهمه هؤلاء الذين يقطعون الطرقات أن هذه المدينة لهم، ولن يقبلوا أن يتحدث أحد باسمهم. ويجب الاستماع إليهم.