لم يكُن ينقُص سكان لبنان سوى وباء «كورونا» ليسعّر من عمليات الاحتكار التي تشهدها الأسواق مُنذ أشهر. فقدان مُنتجات من الأسواق وتلاعُب في الأسعار من دون رقيب. عملية عزّزتها أخيراً حالة التعبئة العامة في البلاد نتيجة انتشار فيروس «كوفيد ١٩»، التي دفعت بالمواطنين إلى التخزين في بيوتهم، بصورة انعكست شحّاً في بعض المنتجات. هذه الأزمة أعادت إلى الواجهة قضية استيراد البطاطا المصرية، والتي كانت تؤثر، في بعض المواسم، على المزارعين اللبنانيين.

وزير الزراعة عباس مرتضى أصدر قراراً بتقليص مدّة استيراد البطاطا المصرية (تبدأ من ١٨ شباط وحتى ١٨ آذار)، حاصراً الكمية المستوردة بـ35 ألف طن للمائدة و10 آلاف طن للتصنيع، علماً أن البروتوكول الموقّع بين لبنان ومصر يُحدّد مهلة الاستيراد من ١ شباط إلى ٣١ آذار وفقَ طلبات السوق (أي بكميات غير محدّدة). لكن رغم ذلك، جرى التداول بمعلومات عن وجود آلاف الأطنان من البطاطا المصرية في المرفأ من دون إذن مُسبق، بانتظار إعطاء موافقات استثنائية لبعض الجهات التي استوردتها. وبدأت تخرُج أصوات المزارعين ولا سيما في عكار مخافة أن يؤدي ذلك إلى ضرب محاصيلهم، نظراً إلى عدم وجود أسواق للتصريف. فمن هي الجهات التي تعود إليها هذه الكميات؟ وهل سمح الوزير بإدخال كميات أكبر من تلكَ التي أعلن عنها في وقت يُصعّد المزارعون اللبنانيون مواجهتهم لحماية إنتاجهم؟ من يمنَع المستوردين من غزو السوق اللبنانية على أعتاب موسم البطاطا في عكار والبقاع؟
يؤكد مُرتضى بأن «لا موافقات استثنائية»، موضِحاً في اتصال مع «الأخبار» تفاصيل ما جرى. يقول وزير الزراعة إن «كميات البطاطا التي دخلت إلى لبنان في الفترة المسموح بها لم تكُن كافية، نظراً إلى حجم الطلب الكبير في الأسواق عليها»، ولذلك «طلب منا عدد من أصحاب المصانِع الموافقة على استيراد كمية إضافية (كنا ما زلنا ضمن الفترة المُتاحة) لأن لا منتج لديهم للتصنيع، وذلك من شأنه أن يؤثر سلباً على عمل المصانِع وربما تسكيرها». وأضاف بأنه سمح باستيراد ما يقارب 10 آلاف طن وذلك على دفعتين، قائلاً: «هناك ١١ مصنعاً طالبت باستيراد البطاطا المصرية، أول مرة سمحنا بـ7500 طن، وبعدها بأيام وصلنا طلب آخر فأضفنا 2500 طن عبرَ جواب رسمي أرسِل إلى الجهات المصرية المعنية يحدد الكميات»، مؤكداً أن الكميات الموجودة في المرفأ هي «للاستعمال الصناعي». وأعاد مرتضى تأكيد أن «القرار الذي اتخذه سابقاً هو بهدف حماية محاصيل المزارعين اللبنانيين»، لافتاً إلى أنه تلقى «طلبات بإدخال كمية منها الى السوق اللبنانية ولم يقبَل بذلك». وأشار إلى «إجبار المستوردين على توقيع تعهدات بأن الكميات المستوردة ستُستخدم في المصانِع حصراً، وبرقابة من الوزارة»، علماً أن «الأزمة الحالية في البلاد رفعت من حاجة الأسواق المحلية، لكننا نفضّل الشح في البطاطا بانتظار المحصول اللبناني، بدلاً من وجود فائض يمنع المزارعين من تصريف محصولهم».

أحزاب وجهات في الدولة تطلب شراء كميات لتوزيع حصص غذائية


بدوره يؤكد رئيس تجمّع المزارعين والفلاحين في البقاع ابراهيم الترشيشي وجود بطاطا مصرية تنتظِر في المرفأ. وهو واحد من الذين حصلوا على موافقة لاستيراد 1500 طن. في حديث لـ«الأخبار»، يقول ترشيشي إنه كان «يعارض استيراد البطاطا من الخارج، لكننا اليوم في أزمة كبيرة»، فالبضاعة التي أتت سابقاً فُقِدت من الأسواق نتيجة الطلب الكبير عليها، وذلك ما دفع الصناعيين إلى طلب كميات إضافية». وأضاف: «تحدثنا مع الوزير بشأن بيع كمية منها الى الأسواق»، وخصوصاً أن «بعض الجهات في الدولة والأحزاب طلبت منا شراء كميات كبيرة لتوزيع حصص غذائية في ظل إجبار الناس على بقائهم في منازلهم بسبب انتشار فيروس كورونا»، لافتاً إلى أن «السوق المحلية باتت بحاجة اليوم إلى ما يقارب الـ 500 طن يومياً، والطلب من هذه الجهات وصل حتى الآن إلى 2000 طن». الترشيشي رفض ما يقال عن وجود احتكار أو ضرب لموسم المزارعين اللبنانيين «ففي العادة، موسم البطاطا العكارية لا يبدأ قبل 10 نيسان. ونتيجة العوامل المناخية هذا العام، لا نتوقع أن يبدأ الموسم قبل شهر أيار»، وهذا يعني أن «الكميات الموجودة حالياً بالكاد ستكون كافية لأن هناك كميات تُهرّب الى سوريا، ولأن ما تمّ استيراده لا يصلح كله للمائدة فهناك أنواع لا تُستعمَل إلا في المصانِع».