خصوصية الاعتراف الإسرائيلي، الأول من نوعه، بـ«الخطر الوجودي» لصواريخ حزب الله الدقيقة، أنه جاء على لسان المسؤول الأول عن جيش العدو أمام الحكومة والمجلس الوزاري المصغّر والرأي العام. والأهم أنه لم يأت رداً على سؤال صحافي محرج، أو نتيجة عدم الدقة في التعبير خلال سجال، بل عبّر عنه وزير الأمن بني غانتس في كلمة معدّة سابقاً، وأمام الهيئة العامة للكنيست، في سياق نقاش لتعديل قانون عملاء جيش أنطوان لحد وأسرهم من أجل منحهم «وسام المعركة».

غانتس أقرّ بأن الصواريخ الدقيقة التي يمتلكها حزب الله تشكل، في مرحلة من مراحل تطورها كمّاً ونوعاً، «خطراً وجودياً على إسرائيل». ومهّد لهذا الموقف غير المسبوق، بالحديث عن سعي حزب الله إلى تعظيم قدراته الصاروخية مدى ودقةً، مؤكداً أن «إسرائيل» لن تسمح بهذا التعاظم «بشكل يصبح خطراً وجودياً» عليها.
وإلى ما ينطوي عليه هذا الموقف من إقرار على لسان وزير جيش العدو، فإنه يكشف أيضاً عن أكثر من رسالة وتقدير إزاء معادلات الكباش المحتدم بين حزب الله وكيان العدو ونتائجه، على المستويين الاستخباري والردعي، وفي مجال سباق تطور القدرات. كما يؤشر، صراحةً، الى إقرار جيش العدو وقيادته السياسية بحجم التحوّل الذي طرأ على معادلة القوة، وإلى المخاوف التي تهيمن على مؤسسة القرار السياسي والأمني إزاء مستقبل تطوّر قدرات حزب الله ومحور المقاومة في مواجهة الأخطار التي يُشكِّلها كيان العدو، وفي تعزيز معادلة الردع الإقليمي.
لم يكن حزب الله لينجح في تحقيق هذا الإنجاز الاستراتيجي في سياق المعركة الدائرة مع كيان العدو، بأجهزته العسكرية والاستخبارية، لولا أنه انطلق من رؤية عميقة ودقيقة للبيئة الاستراتيجية التي يتحرك فيها، بشقيها الخارجي والداخلي، ولولا أنه واجه استراتيجية العدو الإسرائيلي، ومعه الولايات المتحدة، باستراتيجية مضادة يمكن رسم بعض معالمها من خلال الوقائع والأداء سابقاً وحالياً.
أيّ عملية بناء وتطوير للقدرات الصاروخية والعسكرية في مواجهة عدوّ متفوّق كمّاً ونوعاً، ويشكل تهديداً استراتيجياً ووجودياً، لم تكن لتتحقّق لولا دقّة الأولويات التي تبنّتها مقاومة حزب الله، ووفّرت لها المظلّة التي تحتاج إليها لتطوير قدراتها الدفاعية والردعية، مع الالتزام التام بكل مقتضياتها المحلية والإقليمية.
ففي مواجهة خيارات العدو العملانية الوقائية، تحت عنوان «المعركة بين الحروب»، نجح حزب الله أيضاً في إرساء معادلة ردع كبحت جيش العدو عن شنّ اعتداءات تهدف الى إرباك عملية تطوير القدرات العسكرية والصاروخية. ومن البديهي أن كل ذلك لم يكن لينجح، أيضاً، لولا الحصانة الاستخبارية التي نجح حزب الله في فرضها على كل هذا المسار، إلى حدّ إقرار وزير الأمن الإسرائيلي السابق نفتالي بينت بأنّ «إسرائيل لم تكن على علم بـ 80% من عمليات نقل الصواريخ إلى حزب الله في لبنان» (الأخبار ــــ الخميس 13 شباط 2020). وفي هذا، أظهر حزب الله إبداعاً في مواجهة التفوّق التكنولوجي والعسكري للعدوّ، وفي ظلّ ما يتمتّع به الأخير من تحالفات إقليمية ودولية توفّر له الدعم الاستخباري والعملياتي في مواجهة محور المقاومة، ومن ضمنه حزب الله.

الاعتراف الإسرائيلي إقرار بتجاوز ما سبق أن اعتبره قادة العدو «خطاً أحمر»


معالم الاستراتيجية التي غيَّر حزب الله ــــ بحسن تطبيقها ــــ معادلات القوة مع كيان العدو، أجملها قائد المنطقة الشمالية، اللواء أمير برعام، بشكل صريح، عندما أقرّ بأنّ من سبقوه في منصبه، فشلوا في إحباط عملية تطوير قدرات حزب الله، لأنهم «لم يروا كينونة الموضوع» (مقابلة مع صحيفة «إسرائيل اليوم»، يوآف ليمور، 17/9/2020). بهذا، اعترف برعام بنجاح حزب الله في تضليل قادة العدو وأجهزته السياسية والاستخبارية على المستويات الاستراتيجية والعملياتية والتكتيكية، في كل ما يتعلق بخطته لتطوير قدراته المتنوعة. بعبارة أكثر دقة، لم ينجح قادة العدو وأجهزته الاستخبارية في قراءة وتقدير المدى الذي يمكن أن يبلغه الحزب في تطوير قدراته، ولا في اكتشاف الخطة التي نفّذها على مدى السنوات الماضية، رغم أنه كان منخرطاً في مواجهة تهديدات وجودية للمقاومة ولبنان والمنطقة.
تجدر الإشارة الى أن عدم إدراك قادة جيش العدو لـ«كينونة» مشروع حزب الله وخطّته والمسار الذي انتهجه، بلغ مرحلة بات فيها يُقيِّد مفاعيل تفوّق جيش العدو النوعي في أكثر من مجال. وهو الهمّ الذي أعلنه رئيس أركان الجيش أفيف كوخافي، في أول جلسة لهيئة أركان الجيش بعد تولّيه منصبه (16/2/2019)، عندما حذّر من تداعيات نجاح حزب الله في تقليص «الفجوة بينه وبين الجيش الإسرائيلي الذي عليه التحرّك لتغيير المسار وبسرعة...».
في سياق متصل، تجدر الإشارة، أيضاً، الى أن إقرار غانتس بحجم التهديد الذي يمثّله تطوّر قدرات صواريخ حزب الله الدقيقة على الأمن القومي الإسرائيلي ووجود «إسرائيل»، ينطوي على إقرار، بمفعول رجعي، بما أعلنه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله عام 2018، عن «إنجاز» الأمر في ما يتعلّق بامتلاك الصواريخ الدقيقة. كما يكشف عن مستوى من تكيّف إسرائيل وتسليمها، حتى الآن، بنجاح الحزب في تجاوز ما سبق أن اعتبره قادة العدو «خطاً أحمر» يُمنع تجاوزه.
ولا يتعارض هذا الإقرار ورسائله مع محاولة العدو توظيف هذا التقدير حول الطابع الوجودي لصواريخ حزب الله الدقيقة، في أكثر من اتجاه. على المستوى الداخلي، من الطبيعي أن تعمد قيادة العدو الى تبرير انكفائها عن المبادرة العملانية حتى الآن، في وقت تتحدث فيه عن استمرار تعاظم القدرات النوعية للحزب. وعلى خط مواز، تعمل على تهيئة جمهورها لتقبّل الأثمان التي ستدفعها الجبهة الداخلية في أيّ مواجهة مفترضة. بذلك، فإن غانتس يدعو الجمهور الى التواضع في تحديد سقف توقّعاته إزاء ما يمكن أن يحقّقه الجيش على المستوى العملياتي. ومن الواضح أنّ هذا الإقرار ينطوي، أيضاً، على توجيه رسائل إلى الخارج، بأنّ «إسرائيل» عادة لا تسلّم بالتهديدات الوجودية... لكنّ كيان العدو، بكل أجهزته يدرك أن معادلات ما قبل الصواريخ الدقيقة تختلف جذرياً عما بعدها. وهذه الحقيقة سبق أن أقرّ بها رأس الهرم السياسي، بنيامين نتنياهو، عندما كان لا يزال يراهن على إمكانية إحباط تطوير قدرات حزب الله، بالقول إن امتلاك حزب الله صواريخ موجّهة ودقيقة يؤدّي الى «تغيير قواعد اللعبة... ويشكل خطراً كبيراً على إسرائيل» (موقع مكتب رئيس الحكومة، 10/12/2017).
يبقى مفهوم أساسي لا بدّ من إيضاحه، وهو أن «الطابع الوجودي» الذي وسم به غانتس الخطر المحدق بمستقبل إسرائيل، نتيجة امتلاك حزب الله الصواريخ الدقيقة، يؤشر أيضاً الى حجم التهديد الاستراتيجي الذي تشكّله هذه الصواريخ على الأمن القومي الإسرائيلي في المعادلات الحالية (وليس المستقبلية كما هي حال التهديد الوجودي). والأهم أن مواقف وزير الأمن التي تتّصل بما تواجهه إسرائيل من تهديدات، تعبّر عن الخلاصة التي انتهت إليها جلسات تقدير الوضع التي يعقدها مع الجيش والاستخبارات العسكرية، ومن ضمنها تقدير حجم المخاطر ومساراتها المستقبلية.
في ضوء ذلك، يكشف هذا الإقرار ــــ الخلاصة، عن حجم مفاعيل حضور قدرات حزب الله لدى جهات القرار، لجهة تقديرها لطبيعة ردود الحزب على أيّ عدوان يمكن أن تتورّط فيه إسرائيل نتيجة تقديرات خاطئة.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا