بغداد | مدوّيةً كانت رسالة رئيس الوزراء المستقيل، عادل عبد المهدي، إلى البرلمان، والتي ألقاها أمس هناك في مستهلّ الجلسة التي عقدها البرلمان العراقي؛ إذ ظهّرت سخطاً كبيراً على واشنطن، بعد أشهر من التوتر تراجعت فيها العلاقات إلى أدنى مستوياتها. تراجعٌ بدأ مع رفض بغداد الالتزام بالعقوبات المفروضة على طهران، ليتواصل بتأمين الإدارة الأميركية غطاءً لتل أبيب لشنّ هجمات على مخازن «الحشد الشعبي»، ويبلغ ذروته مع اغتيال نائب رئيس «هيئة الحشد» أبو مهدي المهندس، وقائد «قوة القدس» في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني. كلّ تلك المحطّات رسّخت اقتناعاً لدى عبد المهدي بضرورة سنّ تشريع لإجلاء القوات الأجنبية من البلاد.

الجلسة التي ترأسها محمد الحلبوسي، وحضرها 172 نائباً (معظمهم من قوى «البيت الشيعي»)، غاب عنها معظم نوّاب «البيتين السُنّي والكردي»، في خطوة تعكس حرص هؤلاء على البقاء تحت مظلّة الاحتلال الأميركي، وتحويل الصراع القائم من صراع وطني إلى صراع بين مكوّن طائفي (أي «الشيعة») ودولة عظمى «تساهم في النهوض بالبلاد»، كما يدّعون. وعلى رغم ذلك الغياب، ومحاولة الحلبوسي الاستجابة لضغوط وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في اتجاه تأجيل الجلسة، نال القرار التشريعي إجماع الحاضرين، أي مختلف مكوّنات «البيت الشيعي»: «تحالف الفتح» بزعامة هادي العامري وهو تجمّع الأحزاب والقوى المؤيدة لـ«الحشد»، و«سائرون» المدعوم من زعيم «التيّار الصدري» مقتدى الصدر، و«دولة القانون» بزعامة نوري المالكي، و«الحكمة» المدعومة من زعيم «تيار الحكمة» عمار الحكيم، و«عطاء» المدعومة من مستشار الأمن الوطني فالح الفيّاض، وآخرين.
وتضمّن القرار بنوداً 6 هي:
1- إلغاء طلب المساعدة المقدّم لـ«التحالف الدولي» لمحاربة تنظيم «داعش»، وذلك لانتهاء العمليات العسكرية وتحقيق النصر والتحرير.
2- التزام بغداد بإنهاء وجود أيّ قوات أجنبية في الأراضي العراقية، ومنعها من استخدام الأراضي والمياه والأجواء العراقية لأيّ سبب كان.
3- التزام الحكومة الاتحادية بحصر السلاح بيد الدولة.
4- على وزير الخارجية التوجه بنحو عاجل إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وتقديم الشكوى ضدّ الولايات المتحدة لارتكابها انتهاكات وخروقات خطيرة لسيادة وأمن البلاد.
5- إجراء التحقيقات بأعلى المستويات لمعرفة ملابسات القصف الأميركي، وإعلام البرلمان بنتائجه خلال 7 أيام من تاريخ القرار.
6- يُنفّذ القرار من تاريخ التصويت عليه.
مصادر سياسية، تحدّثت إلى «الأخبار»، أوضحت أن «قرار الجلسة ينصّ على إلغاء اتفاقية 2016، والتي تتضمّن سحب عضوية العراق من التحالف الدولي لمكافحة إرهاب داعش»، وهو ما حاول البعض تأويله على أنه لا يعني إجلاء القوات الأجنبية الموجودة على الأراضي العراقية. لكن مصادر مقرّبة من عبد المهدي أكدت أن فريقه الوزاري سيسارع إلى مخاطبة الأمم المتحدة ودعوتها إلى إخراج قوات «التحالف» من البلاد، على أن تُستتبع تلك الخطوة بأخرى، وهي إعادة النظر في الاتفاقية الأمنية «صوفا» (2009) المعنيّة بتنظيم عملية الانسحاب الأميركي من العراق، والقسم الثالث من اتفاقية الإطار الاستراتيجي (المعنية بتنظيم عملية التعاون العسكري والأمني بين الجانبين، والموقّعة عام 2008)، لإلغائها لاحقاً.

بدا الامتعاض الأميركي إزاء قرار البرلمان واضحاً، مصحوباً بتهديدات مبطّنة للعراقيين


إزاء ذلك، بدا الامتعاض الأميركي واضحاً، مصحوباً بتهديدات مبطّنة للعراقيين. إذ أعربت الولايات المتحدة، على لسان المتحدثة باسم الخارجية مورجان أورتاجوس، عن «شعورها بخيبة أمل» حيال خطوة البرلمان، وأعلنت أنه «بينما ننتظر مزيداً من التوضيح بشأن طبيعة قرار اليوم وأثره القانوني، نحثّ بقوّة الزعماء العراقيين على إعادة النظر في أهمية العلاقة الاقتصادية والأمنية بين البلدين والوجود المستمر للتحالف الدولي لدحر داعش». موقفٌ يشي بأن واشنطن لا تزال غير مقدّرة حجم الغضب العراقي، والذي تجلّى في مواقف معظم الزعماء السياسيين، ومن بينهم الصدر الذي وصف القرار التشريعي بـ«الهزيل»، داعياً الفصائل كافة ــــ داخل العراق وخارجه ــــ إلى «تشكيل أجنحة مقاومة دولية... وإغلاق السفارة الأميركية وقواعدها وإخراج جنودها بشكل مذلّ». وهو ما لاقته الفصائل الأخرى ــــ أي «عصائب أهل الحق» و«كتائب الإمام علي» و«حركة النجباء» و«كتائب حزب الله ــــ العراق» وغيرها ــــ بتأكيدها المضيّ قدماً في المواجهة مع الأميركيين، والتشديد على أن المرحلة المقبلة ــــ بمعزل عن الحراك السياسي القائم ــــ ستشهد نزالاً ميدانياً بينها وبين المحتلّ.
من جهة أخرى، بدت لافتة رسالة التعزية التي وجّهها المرجع الديني السيد علي السيستاني، إلى المرشد الإيراني السيد علي خامنئي، والتي أشاد فيها بـ«الدور الفريد لسليماني في سنوات الحرب مع عناصر داعش في العراق، ‏والأتعاب الكثيرة التي تحمّلها في هذا المجال». وهي رسالة سبق إعلانَها حضورُ نجل السيستاني، محمد رضا، تشييع جثامين الشهداء العراقيين والإيرانيين في مدينة النجف، في خطوة لاقت ارتياحاً وإشادة من قِبَل الأحزاب والقوى.



تشييع استثنائي في العراق
بعد يوم واحد من عملية الاغتيال الأميركية التي استهدفت القائدين الشهيدين قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس ورفاقهما، بدأت رحلة مواراتهم في الثرى من العراق، حيث سالت دماؤهم معاً. انطلقت جثامين الشهداء من منطقة مطار المثنى صباح الرابع من كانون الثاني/ يناير الجاري، باتجاه مدينة الكاظمية، حيث تجمّع آلاف العراقيين وهم يهتفون «الموت لأميركا»، متوعّدين بأخذ الثأر. ومن الكاظمية التي أقيمت فيها مراسم تزوير جثامين الشهداء مرقد الإمامين الكاظميين، أكمل الموكب صوب منطقة الجادرية، مروراً بالمنطقة الخضراء حيث كان التشييع الرسمي في ساحة الحسنين، بحضور منتسبي «الحشد الشعبي» وفصائل المقاومة كافة، ليودّعوا قائدَيهم إلى المثوى الأخير. المراسم حضرها أيضاً القائد العام للقوات المسلحة عادل عبد المهدي، والأمين العام لحزب «الدعوة» نوري المالكي، وصديق المهندس رئيس تحالف «الفتح» هادي العامري، ورئيس «هيئة الحشد الشعبي» فالح الفياض، إضافة إلى عبد الغني الأسدي وعمار الحكيم وغيرهما من السياسيين ورجال المقاومة. ورفع المشيّعون أعلام العراق وإيران في تجلٍّ لعمق العلاقة بين الجانبين، كما رفعوا صوراً للمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي، والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله. بعد ذلك، نُقلت الجثامين بواسطة طائرات «هيلكوبتر» إلى مدينة كربلاء، حيث كان في استقبالها ممثّل «المرجعية الدينية العليا» أحمد الصافي وعبد المهدي الكربلائي. هناك، حُملت الجثامين لتزويرها مرقدَي الإمام الحسين وأخيه العباس، وسط شعارات رافضة التعرّض لـ«الحشد» وقياداته، ومندّدة بخرق سيادة البلاد. وعند المحطة الأخيرة، حيث ضريح الإمام علي في النجف الأشرف، كان نجل المرجع الديني السيد علي السيستاني، محمد رضا، على رأس المستقبلين، إلى جانب المرجعين الشيخ بشير النجفي الذي تولّى الصلاة على الشهداء، فضلاً عن السيد محسن الحكيم، ومحافظ النجف لؤي الياسري، وعدد من القيادات الأمنية.