جراح القصيدة

(إلى الصديق محمد الأمين)
هَيهاتَ تُحصي بيروت دمعاتها
والليل يُعلِّق نجومه فوق كتفيك.
في عروقك مهرجانُ صخب
والشيبُ وَشْمٌ في صدغيك.
تُنْبِتُ في طين الأيام
كَرْمَاً يُداري بالظِّلال ظهيرة العمر
تسقي الندماء كؤوس ضحكة مُرّةٍ
وتُقطِّر الأوجاع خمرةً تنسيهم بعض ما يؤذي.
أتعلمُ كم ينبض الصمت بيننا؟
كأنَّما الكلمات أقدامُ غريبٍ
تدوس خمائل لم تُقْطَف زهورها
فنصمت كي نحفظ للورد عطره،
ونحتسي الصَّهباء صلاةً على أطلال النساء.
في حانة الأقداح المشبعة بالغبار،
حيث ينام شارع الحمرا على أنفاس السّكارى،
نعلّق أيقوناتنا على جدار السهر:
امرأةٌ مرَّتْ كالملح على جراح القصيدة،
ونكتة ماجنة رقصت على طاولة خاوية،
ودمع اختلط بالقهوة في فنجان الفجر.
نحن المجانين الذين ننطق حكمة
حينَ يُصابُ اليقينُ بالعَرَج!
خفةُ دمك مظّلة في موسم الأمطار،
وسرعة بديهتك مرساةٌ
في بحر الوجودِ الطافح بالغرقى.
نلتقي كشظايا نيزك قديم،
كلٌّ يحمل في جيبه بعضاً من بيروت الجريحة،
وسراجاً من زمنٍ يباب
لكننا حين نصالح الظلام
بكأس وكسرة خبز وحكاية،
ينبت في قلب الليالي اليائسات
ياسمين.
هذه السنون التي مرّت كالنبيذ على شفاهنا،
جعلتْ صداقتنا لآلئ في ظلام المحار
البعدُ بيننا مسافةٌ تُنَظِّفُ المرايا،
واللقاء عاصفة تُعيدُ للوجوه ملامحها الأولى!
دام العمر نهراً من بياض الحكمة ولهيب النزق
لشاعرٍ سكب قصيدته في كأس الوجد
وراح يُغَنِّي للنساء وللشوارع العتيقة... والعدم.
