ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

نُوتَاتُهُ الشَّهِيَّة

ثقافة
|آداب وفنون
حفظ المقالة

(لذكرى زياد الرحباني) لم يكن يعزف فحسب، كان يرصّع صمت العالم بشظايا نغم غاضب وحنون.  بيساره المرتجفة كوتر مقطوع، يهدم قلعة اليقين، ثم يبني من رمادها مقاهٍ للحكايات. 

زاهي وهبي
زاهي وهبي
الخميس 18 أيلول 2025
(أرشيف)
(أرشيف)
الخط


(لذكرى زياد الرحباني)

لم يكن يعزف فحسب، كان يرصّع صمت العالم بشظايا نغم غاضب وحنون.
بيساره المرتجفة كوتر مقطوع، يهدم قلعة اليقين، ثم يبني من رمادها مقاهٍ للحكايات.
في غرفة تئن من ثقل النوتات، يتحول البيانو العتيق إلى رفيق درب، وتسقط الألحان على الخمرة والماء خليط ألم على مقعد خال، وسخرية تترنح بين الكأس والشفتين.
كان يسترد النغم من مذاهب السلاطين، ويرفض أن يرتدي ثوب الأنبياء القدامى.
ينحاز لصوت الحافة والرصيف،
يلحن صرير البوابات العتيقة، ونبض الأمهات في عتبات الوداع.

■ ■ ■

لم تكن موسيقاه فقط سلماً لتصعيد الأنفس إلى السماء، بل غوصاً إلى قاع البئر، كي تنقذ منه صورة الطفل الغارق وحلم العاشق المنهوب. موسيقاه ليست إلا انكسارة ضوء على أثر القضايا الخاسرة،
هي الحكاية التي لم، ولن، تكتمل. تسكت قليلاً كمؤلف يسحره صمت الجمهور، ثم تستأنف العزف بشغف الطفل الذي يعثر على لعبته بعد حرب وضياع،
هي الخروج على سلطة الأب الفني، لا بعصيان أعمى، بل بوعي الابن الذي يحمل ميراث الجماعة على ظهره، ثم يمشي في اتجاه ضوضاء العالم ليبْتَكِرَ لغة جديدة للألم.

■ ■ ■


باحثٌ في قاع الكأس، لا عن سُكْرٍ عابر،
بل عن ذلك الجذر المعتم للألم، الذي ينبت كالياسمين البري في أزقة البلاد المتعبة،
عن سخرية ترفع القبعة بوقار، ثم تبكي على كتف نغمةِ عاشقةٍ قديمة،
وعن جرح لا يبرأ إلا إذا اغتنم القلب فرصة الصمت ليغني.
في شارع الحمراء، حيث يمشي الظل والضوء في خطوات متلاحقة، وتتعلق أصوات المقاهي بشرفات البيوت العتيقة، كان صوته يتسرب كنسيم عاصف من بين شقوق زمن مكسور.
من هنا، من هذا الشارع الحافل بالأسئلة والوجوه المنسية، كان ينثر نوتاته الشهية، التي لا تشبع الجوع بل تثيره، صارخاً بالكلمة والنغمة: هذه هي بيروت، تلك المدينة - الملهمة، المدينة - الجرح، التي تعلم كيف تحتضن وحوشها كي تنتج من ألمها ألحاناً تصمد أمام جبروت الزمن.
وفي الهواء المرّ، حيث تعلق آذان السلاطين بأغاني المدح، كان يرسم بخريطته الصوتية صرير أقفال السجون وحفيف أجنحة الحروف المحاصرة.

■ ■ ■


هو الانزياح الجميل بين النغمة والكلمة، في ذلك العناق الدائم حيث يمتزج دخان السجائر بضباب الذاكرة، بين ضحكة المقهى وانكسار المدينة على مذبح الزمن.
هو القدرة على تحويل الوعاء الفني إلى “بَراح” يسع الحكايات المقصوصة والوجوه الممسوحة بقسوة الزمن،
وعلى جعل البيانو ميزان حق يرصد اختلاس البستان وظهور الأسوار.
وهو البرهان أنه من بين رماد الحرب ودخانها البغيض، تولد الألحان كأسئلة كبرى ترفض الأجوبة الجاهزة.
غاب المؤلف الجسد، ليصبح الصوت خلوة نعبرها، ومظلة نستظل بها من مطر الأسئلة التي لا تنتهي.

■ ■ ■


يشبه الوتْر المشدود على جبين الليل، يرفع راية التحدي للمنسيين والمقهورين، وينشد أناشيد الكرامة لمن سحقتهم رياح الهزيمة.
هو صوت من يكسر صمت المطابخ الخاوية ليسأل عن الغائبين، ويحول انكسار الأطباق إلى إيقاع يوثق صرخة وجودهم التي لا تُخمد.
لأنه اليقظة الخفية بين طبقات الدخان، القادرة على اختراق جدران الخوف وسداسيات العدم. يغرس في تراب الكلمة بذور العصيان، فتنبت أسئلة لا تخاف الجلاد ولا تسجد لوثن.

■ ■ ■


سيبقى بيننا صمتاً يملأ الفضاء بضجيج الأسئلة العالقة بين النغمة والكلمة،
مفتاحاً لغرفة مظلمة ندخلها كلما اشتقنا لوطنٍ لم نعد نتذكر منه إلا عيون الغرباء ورائحة القهوة في الصباحات الباكرة،
بصمة إصبع على زجاج القلب المكسور، ترافقنا كخريطة إلى بيوتنا القديمة التي صارت شوارع في مدينة لم نعد نعرفها،
صوتاً يقظاً في سهام الظهر، يذكرنا أننا لسنا سوى مرتحلين على وتر مشدود بين الماضي وما هو آت،
سلّماً من نوتات شهية، نصعده إلى زمن آخر، إلى حيث ينتظرنا بكأسه المترع، لنقول له: «شكراً، لقد وجدنا الطريق إلى البيت أخيراً، متتبعين أثر نوتاتك الممتلئة بكل هذه العذوبة والألم».

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك