الشاعر الذي يشبه قصيدته
رحل شاعرُ الشجن المثمر، المثقف المبتعد عن الصخب والضجيج، والثابت في زمن التحولات. غادر إسكندر حبش، تاركاً وراءه إرثاً شعرياً ونثرياً يعبّر عن وعيٍ نقدي حاد، كأنه كان يجمّع المعاني والكلمات كي يرحل


رحل شاعرُ الشجن المثمر، المثقف المبتعد عن الصخب والضجيج، والثابت في زمن التحولات. غادر إسكندر حبش، تاركاً وراءه إرثاً شعرياً ونثرياً يعبّر عن وعيٍ نقدي حاد، كأنه كان يجمّع المعاني والكلمات كي يرحل، في تماهٍ تام مع عنوان كتابه المترجم «أجمع الذكريات كي أموت» (نقل فيه إلى العربية قصائد 32 شاعراً برتغالياً معاصراً).
يخال لي أن إسكندر عاش في الكتب أكثر مما «عاش في الحياة»، أو على الأقل مثلما عاش في الحياة، أي بالتساوي بينهما: الكتب والحياة. أُقدِّمُ الكتبَ على الحياة، لأنه مثل كتّاب كثيرين قرأهم أو ترجم أعمالهم، لم يتصور الحياة بلا كتب ولا مكتبة. وكم جميل أن يوصي شاعر بتوزيع كتبه على مكتبات القرى، كأنه يعلن انحيازه، حتى بعد موته، للمهمشين والفقراء البعيدين دائماً من «المركز».
وكما في كتبه، كذلك في حياته. يتسلل إليك نصاً وشخصاً بهدوء وبلا ضجيج. حتى حين تلتقي به بعد غياب سنوات، يقابلك كأنه ودّعك البارحة. شاعر، على خلاف كثير من نظرائه، بلا ضغائن ولا أحقاد، وبلا ثرثرة فارغة ولسانٍ بـ «سبع شفرات». قريبٌ على بُعد، تاركاً مسافة أمان بينه وبين وسط ينتمي إليه، لكنه لا يشبهه كثيراً، ربما لشعوره العميق والخفيّ أنه في منفى لا في وطن.
لعله عاش بدل الغربة الواحدة غربتين؛ غربة الشاعر الأصلية عن عالم يزداد توحّشاً واستهلاكية، وغربته الشخصية عن جذوره التي ظلّ ملتصقاً بها، وإن بعيداً من الشعاراتية والكليشيهات، فكانت الكتابة والكتب وطنه ولو إلى حين.
على نقيض شعراء آخرين، إسكندر حبش شاعر يشبه قصيدته. هادئ مثلها، متأمل مثلها، على قلق مثلها، حتى يشعر مَن يعرفه بأن لا مسافة إطلاقاً بينه وبينها. فيما يصدمك آخرون بالهوة السحيقة بين ما يكتبون وما يسلكون.
لم يكن حبش مجرد شاعر، بل كان مثقفاً متنوعاً، تشكّل وعيه الشعري من انتماءٍ عضويّ لقصيدة النثر، ومن تأثيرٍ عميقٍ لحروب لبنان التي عاشها بكلّ تناقضاتها، فكانت بيروت بالنسبة إليه حبيبةً وجرحاً، وطناً صغيراً رأى عبره صورة العالم بأسره.
إسكندر حبش عاش أيضاً في منزلة بين منزلتين؛ الحنين الذي يشده إلى جذوره الأولى، والمكان الذي وُلِد فيه وعاش، وسطّر قصائده ومقالاته النقدية. رفض أن يكون «المهجَّر الثالث» بعد تهجير والده من فلسطين عام 1948 ووالدته من أرمينيا، فاختار البقاء في قلب العاصفة/ الحرب، وقلب العاصمة/ الحمرا، معتبراً أن بقاءه في بيروت شكلٌ من أشكال المقاومة الوجودية ضد منطق التقسيم والنسيان.
صحيح أن انطلاقته الأولى كانت في ثمانينيات القرن الماضي من رحم المشهد الثقافي المضطرب، حين أصدر مع صديقه الشاعر شبيب الأمين نشرة «ميكروب» الشعرية المتمردة. لكن الأكثر التصاقاً به هو عمله الطويل في جريدة «السفير» التي لم يغادرها إلا حين قرر صاحبها وناشرها الراحل طلال سلمان إقفالها طاوياً صفحة ثرية من كتاب الصحافة اللبنانية والعربية.
رفض أن يكون «المهجَّر الثالث» بعد تهجير والده من فلسطين عام 1948 ووالدته من أرمينيا
في شعره، تجلّت مكابدته الوجودية بلغةٍ مكثفة تحفر في أغوار الغياب والحب والزمن. انتمى إلى تيار قصيدة النثر بوعيٍ جمالي جعل من القصيدة فضاءً لمقاومة العدم. في ديوانه «لا أمل لي بهذا الصمت» (2009)، رأى نفسه «كمركبٍ لا شاطئ له، يواصل الإبحار خائفاً من الوصول»، لأن الوصول هو نهاية المطاف، ولأن متعة الرحلة هي في الطريق لا في نقطة النهاية. لذا كانت كلماته هذه وسواها، تعكس ذلك القلق الخلّاق الذي لازمه؛ الخوف من اكتمال القصيدة لأن النهاية «موت صغير». كان شعره فعلَ بوحٍ ومكاشفة، بحثاً عن عزاءٍ للإنسان في زمنٍ فقد إيقاعه وسياقاته ومرجعياته.
أما الترجمة فلم تكن بالنسبة إليه مجرد مهنة، بل كانت «عبوراً للروح من ضفة إلى أخرى». بانتقائه الدقيق، نقل إلى العربية بأمانة شاعرية أعمالاً لفرناندو بيسوا وتشارلز بوكوفسكي وأورهان باموق وبول أوستر وجون برجر وسواهم. كان يؤمن أن المترجم «ليس من يسكن اللغات، بل من يعبرها، ويترك الباب موارباً كي تدخل الريح»، فجعل من كل ترجمة قصيدة محتملة، ومن كل قصيدة ترجمةً لذاته المتعددة.
حين اختار كثيرون التخفف من أعباء ماضيهم ومواقفهم السابقة، وحين صارت فلسطين «ثقلاً» ألقاه البعض عن كاهله، ظلّ موقفه السياسي ثابتاً كجذوره، منحازاً إلى القضية الفلسطينية ومبدأ المقاومة، رافضاً للظلم والاستبداد بأشكالهما كافة؛ ففي زمنِ التحولات والمساومات، لم يكن هذا الموقف مجرد شعار، بل كان امتداداً طبيعياً لوعيه التاريخي ورفضه لمنطق الهزيمة والاستسلام. صحيح أنه لم يكتب شعراً سياسياً مباشراً، لكن فلسطين كانت طيفاً دائم الحضور في نصوصه، ولا سيما في كتابه «تلك المدن» الذي استحضر فيه سيرة والده.
وبحسب ما كتبه يوماً الشاعر الراحل محمد علي شمس الدين عن هذا الديوان: «كل مدينة أخرى (ما خلا مدينته الأصل الأم) خيمة أو محطة عبور للأصل. فالحرقة الفلسطينية جلية في قصيدة إسكندر حبش. وهذه الحرقة التي تشكل قاع القصيدة، تتمدد في مفاصل الكلمات والمقاطع، ويغلف دخانها العمل الشعري بكامله. فهو بالفعل عمل شعري مغلف بالدخان، وذلك جزء من مائيته، أعني أنه مغلف بما يظهر ويخفي التفاصيل والتماثيل الصورية والشعورية معاً، ويقرّب القصيدة من الإيماءات أكثر مما يدفعها في باب الوضوح، بل لعله ينقذها من ثقل الشعر السياسي وشعاريِّته».
في مواجهته مرض السرطان – الذي سمّاه بسخرية شاعرية «السيد س» – برباطة جأش نادرة، ظلت الكتابة رفيقته الدائمة، وهو الذي لا يعرف إقامة في سواها. من مستشفاه، كتب في «يوميات مستر س 12» مشاهدَ أخيرةً تختزل رؤيته للعالم: «أحاول في نهاراتي الرتيبة والمتشابهة أن أهرب من سطوة هذا الأمر. من سطوة السيد س. حلمت البارحة بالبحر. بالسير على الرصيف المحاذي وأنا أنظر إلى الأمواج التي تتكسر تحت قدميّ. فكرت عندها: لو أستطيع أن أكون واحداً من تلك الطيور المحلّقة. أن أكون فقط، رفرفة جناح، لأقفز، ثم أرحل بعيداً...»
لم يكن هروبه من الألم هروباً من الموت، بل بحثاً عن خلاصٍ شعري. حتى في قاعة العلاج، كان يحلم بالبحر وبودلير، متمسكاً بسلاحه الوحيد: الذاكرة والكلمة: «هذا الصباح، وأنا في الطابق التاسع، وقبل البدء بجلسة العلاج، نظرت من شُبّاك الغرفة. كان البحر أمامي بكلّ بهائه... لا شيء في رأسي، في هذه اللحظة، إلا قصيدة بودلير «الإنسان والبحر»».
وفي لحظة من بصيرة المرض، هزئ بالحِكَم الجاهزة والأقوال المبتذلة عن المعاناة، متمسكاً بحقه في رفض العزاء الرخيص: «طرأت في ذهني الجملة التالية، جملة تافهة تقول: من دون معاناة كيف نعرف الفرح؟ وجهة نظر غبية، بشكل لا يصدَّق، حتى إنها تفتقر إلى البراعة. هكذا أجدها فعلاً».
يغادر إسكندر حبش هذا العالم خالعاً جسده الترابي الذي أتعبه وأوجعه، لكنه يبقى حاضراً في متاهات «تلك المدن» التي لا خلاص منها إلا بالقصيدة، وفي كل ترجمةٍ أنقذها من غربة اللغة. لأنه كان من أولئك النادرين الذين يكتبون بصدقٍ يجعل حضورهم يتجاوز الغياب. فرحيله لن يكون سوى لحظة توقف جسدٍ عن منازلة العالم، بينما تستمر كلماته في التنفّس لا على صفحات الكتب فقط، بل في ذاكرة كل من قرأها أو سوف يقرؤها. ربما لهذا، سيظلّ غيابه مجرد علامة في هوامش نصّه الذي لم يكتمل، والذي سيستمر في الكتابة عنا، حتى بعد أن نكون نحن مَن يرحل.
