محمد هاشم: وزير ثقافة «وسط البلد»
خسر الوسط الثقافي والسياسي المصري أمس الناشر والمؤلف المصري محمد هاشم (1958- 2025) الذي آمن طوال مساره، بدوره كمثقف عضوي و«دينامو ثقافي».


القاهرة | خسر الوسط الثقافي والسياسي المصري أمس الناشر والمؤلف المصري محمد هاشم (1958- 2025) الذي آمن طوال مساره، بدوره كمثقف عضوي و«دينامو ثقافي».
بدأ هاشم المولود في طنطا (دلتا مصر)؛ حياته المهنية كصحافي وكاتب قبل أن يتجه إلى النشر. وفي أواخر السبعينيات، انخرط في العمل السياسي، ما أدى إلى تعرّضه للاعتقال بتهم تتعلق بنشاطه المعارض في عهد الرئيس الأسبق أنور السادات. تجربة شكّلت رؤيته نحو الدفاع عن حرية التعبير بكل ما أوتي من أدوات وأفكار.
في عام 1998، أسّس دار «ميريت» في قلب القاهرة، لتتحوّل سريعاً إلى منصة ومساحة مختلفة للأدب المعاصر والفكر الحرّ. كان هدفه من الدار تقديم مساحة للكتّاب والمبدعين الشباب والأصوات الجديدة، بعيداً من منطق السوق التجاري التقليدي، مع التركيز على الجودة والعمق الثقافي في الأعمال المنشورة. قدمت الدار أعمالاً مهمة لكتّاب أصبحوا من أبرز الأسماء في الأدب العربي، ما جعلها علامة فارقةً في عالم النشر، برأس مال محدود وتأثير واسع.
إلى جانب وجودها الثقافي المهم والمؤثر؛ تعدّ «ميريت» أيضاً محطةً مفصلية في الحياة السياسية المصرية، منذ انتفاضة حركة «كفاية» في كانون الأول (ديسمبر) 2004 وصولاً إلى «ثورة يناير» 2011 وما بعدها. كان مقرّ الدار في وسط القاهرة (6 ب شارع قصر النيل)؛ مكاناً حيوياً للنقاش والتجمع السياسي وتيرمومتراً دقيقاً للحياة السياسية والثقافية المصرية.
احتضنت «ميريت» أحلام أجيال من الكتّاب والمثقفين؛ سواء حلم نشر العمل الأول من دون سلطة رقابية أو سلطة الناشر نفسه، أو أحلام التغيير نحو مجتمع أفضل. ووسط تلك الحالة من الحراك الثقافي والاجتماعي، كان هاشم أشبه بوزير ثقافة «وسط البلد».
جهود هاشم في نشر وتحفيز الفكر الحر، لم تخل من التحديات؛ فقد تعرّضت الدار وصاحبها في كثير من المناسبات لمضايقات أمنية، بما في ذلك مداهمات من سلطات الرقابة؛ كرد فعل على تأثيرها الواسع الذي دائماً ما شكّل صداعاً للسلطة.
وفي عام 2016، اضطر هاشم إلى إغلاق مقر الدار في «شارع قصر النيل»، كجزء من رغبة السلطة في القضاء على تلك المساحة التي انطلقت منها ثورة يناير بأفكارها وثوّارها. لكن مع انتقال الدار إلى مقرها الجديد في «شارع صبري أبو علم»، لم تختف أو تخفت حالة الوهج، وظلت مساحة مختلفة حتى النفس الأخير.
رحل محمد هاشم وهو لا يزال «موضوع نقاش» مفتوحاً وممتداً، فاسمه لا يزال يثير الجدل. لكن بمجرد انتشار خبر رحيله، سادت حالة من الحزن في الوسط الثقافي المصري والعربي، ليس مجرد حزن على رحيل صديق قديم، لكن حزن أعمق على «زمن» وانتهاء حكاية مختلفة ومرحلة من الحرية والنضال والمحاولة، برحيل واحد من أبرز ناشري عصره، تاركاً بصمة واضحة في دعم الأدب الحر وتشجيع الأجيال الجديدة من الكتاب والمثقفين.
يبقى إرث «ميريت» وأثرها، الذي جمع بين الثقافة والإصرار على التعبير المستقل، شاهداً على رؤية هاشم التي تجاوزت حدود النشر لتصبح جزءاً من تاريخ ثقافي واجتماعي عاشه المجتمع المصري على مدى عقود، وأثراً لا يزول حتى بعد رحيل صاحبها.
