مصر: عام القصص القصيرة والأسئلة المعلّقة!
شهدت الثقافة المصرية في 2025 عاماً مثقلاً بالجدل والأسئلة المفتوحة. من أزمات معرض الكتاب وقرارات الإغلاق، إلى سجالات الرقابة وتغييرات المؤسسات، تداخل الإنتاج الأدبي مع الصراع على حرية النشر ودور الدولة.


شهدت الثقافة المصرية في 2025 عاماً مثقلاً بالجدل والأسئلة المفتوحة. من أزمات معرض الكتاب وقرارات الإغلاق، إلى سجالات الرقابة وتغييرات المؤسسات، تداخل الإنتاج الأدبي مع الصراع على حرية النشر ودور الدولة. عام حافل بالقصص القصيرة، والاعتراف الدولي، وغيابات كبرى تركت فراغاً واضحاً
بدأ عام 2025 صاخباً على المستوى الثقافي في مصر. كانت الدورة الـ56 من «معرض القاهرة الدولي للكتاب» هي الدورة الأولى لوزير الثقافة أحمد هنو، الذي عُيِّن في 2024، وجاء اختياره من خارج الأسماء المتوقعة للوسط الثقافي المصري.
أول الأسئلة الكبرى هذا العام كان عندما فوجئ الجميع بإعلان «دار المرايا» عن منعها من المشاركة في معرض الكتاب، رغم أنها تشارك فيه سنوياً منذ عام 2017 حتى عام 2023. وبقي سؤال «لماذا منعت المرايا من المشاركة؟» معلقاً من دون إبداء أسباب حتى الآن من «الهيئة العامة للكتاب» المنظمة للمعرض.
كتّاب في قفص الاتهام!
وفي الأيام الأولى للمعرض، ثار جدل كبير حول كتاب «كاملات عقل ودين» للكاتبة أسماء عثمان الشرقاوي الصادر أصلاً في عام 2022 عن «دار السراج». واجه الكتاب حملة سلفية بسبب ما اعتبره المنتقدون مساساً بالأحاديث النبوية وتناقضاً مع رؤية الدين. حملة أدت إلى سحب الدار للكتاب ووقف نشره «احتراماً لمشاعر القرّاء» بحسب بيانها، ما طرح أسئلة في الوسط الثقافي عن حرية النشر والمعتقد، لكن أيضاً من دون تعليق من المؤسسة الرسمية، رغم أنّ مؤلفة الكتاب حاصلة على دبلوم الدراسات الإسلامية، وتقدم فيه رؤية إسلامية معاصرة لدور المرأة في المجتمع.
أيضاً عانت دور النشر خلال الدورة الأخيرة من معرض الكتاب بسبب ارتفاع القيمة الإيجارية للأجنحة خلال المعرض بنسبة كبيرة عن الأعوام السابقة، في مقابل إخلاء مساحة كبيرة لمشاركة «بيج باد وولف»؛ أكبر حملة لبيع الكتب الأجنبية بأسعار مخفضة في العالم، التي تعتمد في مبيعاتها على كتب صادرة في أعوام سابقة، ما أثر في مبيعات دور النشر المشاركة، وطرح سؤالاً لا يزال معلقاً حول ضرورة دعم دور النشر في ظل التحديات المادية الكبيرة التي تتعرض لها الصناعة.
تعرّضت أسماء عثمان الشرقاوي لحملة سلفيّة بدعوى المساس بالأحاديث النبوية
لم ينته الجدل الثقافي بانتهاء معرض الكتاب. في شباط (فبراير) 2025، أصدر وزير الثقافة قراراً بتكليف اللواء خالد اللبان، رئيس جهاز الرقابة الإدارية في الأقصر، بمهمة رئاسة إدارة «الهيئة العامة لقصور الثقافة». أمر أثار حالة جدل، خصوصاً أنها إحدى الهيئات الحيوية في الوزارة، وكان يتوقع كثيرون أن يتولاها أحد الأسماء العاملة في الثقافة والفن لتطوير العمل الثقافي في المحافظات والأقاليم.
الأزمة الكبرى
لم تمر أشهر على تولي اللبان لمنصبه الجديد، حتى حدثت الأزمة الكبرى في ملف الثقافة. أصدرت «الهيئة العامة لقصور الثقافة» قراراً بإغلاق 120 بيت ثقافة ومكتبة في القرى والمراكز، ما أثار موجة غضب بين المثقفين كون هذا القرار يمثل «جريمة في حق المجتمع». وبرّرت وزارة الثقافة القرار بأنه ضمن خطتها لإعادة الهيكلة لـ«تطوير الخدمة الثقافية»!
وعبّر عدد من الكتاب والمثقفين والفنانين عن رفضهم القاطع للقرار، واعتبروه تراجعاً صريحاً عن دور وزارة الثقافة وتجريفاً لمقارها في مختلف أنحاء الجمهورية، في مخالفة واضحة للدستور، مؤكدين في بيان رسمي أنّ ذلك يخالف المادة 48 من الدستور التي تنص على أن «الثقافة حق لكل مواطن، تكفله الدولة، وتلتزم بدعمه». لكن ظلّ ملف إغلاق بيوت الثقافة في المحافظات سؤالاً معلقاً من دون إجابة رغم الرفض الكبير في الوسط الثقافي.
تنقيب عن الآثار في قصر ثقافة!
ومن مفارقات تلك الأزمة أن وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو اكتشف خلال جولة لتفقّد أعمال ترميم «قصر ثقافة الطفل» في الأقصر، قيام الشركة المنفذة لأعمال ترميم ورفع الكفاءة بالحفر خلسة في إحدى الغرف التابعة للقصر، في ما يشتبه أنّه بغرض التنقيب عن الآثار، في ظل غياب تام للقائمين على الموقع من فرع الثقافة والإقليم التابع للهيئة، ولا تزال التحقيقات مستمرة في هذه القضية.
وتعليقاً على مشهد وصور الوزير خلال تفقده قصر ثقافة الأقصر، استدعى المعلقون على السوشال ميديا مشهد الفنان عادل إمام في فيلم «التجربة الدنماركية» عندما أدى دور وزير للشباب والرياضة يتفقد أحد مراكز الشباب التي حوّلت نشاطها لأعمال أخرى!
عبدالرحيم كمال رقيباً
من التغييرات الهيكلية في وزارة الثقافة في 2025 أيضاً، جاء تعيين الكاتب والسيناريست عبدالرحيم كمال رئيساً للرقابة على المصنفات الفنية، ما اعتبره بعضهم فرصةً أكبر لدعم حرية الإبداع. منذ توليه المنصب، واجه كمال عاصفة من الانتقادات على خلفية طلب الرقابة تغيير نهاية مسلسل «لام شمسية» في موسم رمضان الماضي، إضافة إلى ما أثير عن منع فيلم «استنساخ» (بطولة الممثل سامح حسين) لأسباب رقابية. لكنّ كمال أوضح أنّ تأجيل العرض كان بسبب حضور فريق الفيلم للرقابة بعد أوقات العمل الرسمية، فلم يُوقَّع التصريح الخاص بعرض الفيلم.
زخم القصة القصيرة
على مستوى الإصدارت، شهدت المجموعات القصصية زخماً واضحاً في 2025. راهنت «دار الشروق» على القصة القصيرة بعدد كبير نسبياً من الإصدارات، فنشرت مجموعة «حارسة الحكايات» للكاتب إبراهيم فرغلي، ومجموعة «لسان عصفور» لحسام فخر، و«كل ما يجب أن تعرفه عن ش» لأحمد الفخراني، إضافة إلى مجموعة قصصية للكاتب الكبير محمد المخزنجي بعنوان «رائحة الشمس».
أما على مستوى الرواية، فقد شهد 2025 حالة احتفاء من القراء برواية «الواقعة الخاصة بأموات أهله» للكاتب محمد عبدالجواد (دار تنمية) رغم حجمها الكبير (600 صفحة). تعدّ الرواية الأولى من نوعها لكاتبها، الذي نشر روايته الأولى «30 أبيب» (2022) مع «دار المرايا». ومعها أيضاً، نشر في العام التالي 3 نوفيلات دفعةً واحدة لم تُجاوز الـ80 صفحة. جاءت روايته الأخيرة والأولى له بهذا الحجم بمنزلة شهادة ميلاد لاسم جديد ومختلف في الرواية المصرية.
سلوى بكر أول فائزة بالبريكس
قبل نهاية 2025، احتفى الوسط الثقافي بحصول الروائية سلوى بكر على لقب أول فائزة بـ «جائزة البريكس» الأدبية في دورتها الأولى خلال احتفال مهيب أقيم في قصر ثقافة مدينة خاباروفسك الروسية، ضمن فعاليات «مهرجان فنون دول البريكس». الفوز عبّر عن تقدير دولي لإسهاماتها الأدبية وتسليطها الضوء على قضايا المجتمع والمرأة عبر سبع روايات وسبع مجموعات قصصية ومسرحية، تُرجمت إلى لغات عدة.
افتقدناهم في 2025!
رفض عام 2025 المضي من دون اختطاف عدد من الأسماء صاحبة الأثر الطويل في الثقافة المصرية. ففي تشرين الاول (أكتوبر) الماضي، فوجئ الوسط الثقافي بوفاة الناشر حسني سليمان صاحب «دار شرقيات»، وهي الدار صاحبة التأثير الكبير في عالم النشر والترجمة منذ تأسيسها بداية التسعينيات وحتى إغلاقها عام 2017. أيضاً، رحل الكاتب والناشر محمد هاشم صاحب «دار ميريت»، التي مثلت علامة فارقة في الحالة الثقافية والاجتماعية والسياسية المصرية.
كذلك، رحل المؤرخ ووزير الثقافة الأسبق، محمد صابر عرب، الذي شغل منصب وزير الثقافة في ثلاث حكومات متعاقبة بعد ثورة يناير، لكنه تمسك بمبدأ استقلال وزارة الثقافة في فترات مضطربة ورفض تحويل المؤسسات الثقافية إلى أدوات استقطاب أو دعاية خلال تلك المراحل. وضمّت قائمة الراحلين أيضاً المخرج الاستثنائي داوود عبدالسيد، والممثلين نيفين مندور، وسمية الألفي، ولطفي لبيب، وعماد محرج، وسليمان عيد وسيد صادق، والكاتب والروائي الكبير صنع الله إبراهيم.
