
فتحت التطورات الأخيرة في محافظة السويداء مستوًى جديدًا من التعقيد في الجنوب السوري، وأعادت خلط الأوراق أمام صانع القرار الإسرائيلي؛ إذ إن ما بدا قبل أيام مجرد احتجاج محلي، تصاعد سريعًا إلى مواجهة دامية، ليضع إسرائيل أمام حقيقة لا تقبل التأجيل: الخيارات المتاحة باتت أكثر تناقضًا، وكلّ منها يتطلب آليات وحسابات وتحركات مختلفة.
إلى ما قبل تلك التطورات، بدت إسرائيل منخرطة في مسار التعامل مع النظام السوري الجديد كشريك إستراتيجي في الإقليم، وهو المسار الذي تضغط الولايات المتحدة لإنجاحه؛ وأدى ذلك، في مرحلة أولى، إلى ترجيح كفة الشراكة على كفة العداء، وفق ما أشار إليه حتى التعامل الإسرائيلي الابتدائي مع الأحداث. لكن سوء إدارة النظام السوري للأزمة الداخلية وانفلات الجماعات المتطرفة التابعة له في تعاملها مع السويداء، عدّلا المعطيات، وأعادا الأمور إلى نقطة الصفر على طاولة القرار في تل أبيب.
هل يعني ذلك أن مسار التطبيع بين تل أبيب ودمشق الجديدة أُقفل نهائياً؟ أم أن هذه الأحداث ستؤدي فقط إلى إعادة ضبطه وتوجيهه وفق ظروف وشروط جديدة؟ وفي الأساس، هل النظام الحالي قادر فعلاً على فرض السيطرة على مكوناته الداخلية ليصار إلى بناء أي تفاهم معه؟ تبدو الخيارات المتاحة أمام إسرائيل حالياً متشابكة ومتناقضة في الوقت نفسه: فهل تعود وتتبنى توجّهات الولايات المتحدة في سوريا، وترهن مصالحها بالنظام الجديد برئاسة أحمد الشرع والمجموعات التابعة له، ضمن ترتيبات «أكثر صرامة» تضمن على الأقل عدم الاعتداء على الطائفة الدرزية في الجنوب السوري؟ أم تندفع مجدداً نحو إستراتيجية قديمة جديدة، طُرحت بعد سقوط نظام بشار الأسد، وهي استعادة خطة إيغال ألون لعام 1967، التي دعت إلى إنشاء كانتون درزي في جنوب سوريا، يكون موالياً بالكامل للغرب وبالتنسيق الوثيق مع إسرائيل؟
مع تصاعد العنف في السويداء واستمرار فشل النظام الجديد في ضبط الجماعات المسلحة التابعة له، تبدو الأمور أكثر ميلاً نحو الخيار الثاني، ولكن القرار السياسي الإسرائيلي في هذا الخصوص ما يزال معلقاً بين حسابات تل أبيب، وبين الإرادات الخارجية الضاغطة، وتحديداً من جانب واشنطن، التي تسعى إلى إرساء ترتيبات مع دمشق الجديدة، من منظور إقليمي أوسع، قد يتجاوز حسابات إسرائيلية خاصة.
وفي انتظار حسم التوجه الإسرائيلي، تبرز في تل أبيب تعليقات لافتة، تستهجن المقاربات الحالية التي يغلب عليها الارتجال والتردد، وتقترح مسارات مثلى للتعامل مع الساحة السورية، بعيداً من «اللاإستراتيجية» الطاغية حالياً.
وفي طيات تلك التعليقات، تَبرز المحدّدات التالية:
- عدم الاكتفاء بالردود العاطفية أو العسكرية المحدودة، بل العمل على بناء إستراتيجية شاملة.
- أن لا يكون الهدف الحقيقي لإسرائيل حماية الدروز فقط، وإنما العمل على تحقيق استقرار دائم في الجنوب السوري، من دون تحويل الدولة السورية نفسها إلى عدو.
- العمل على التوصل إلى تفاهمات مع النظام السوري الجديد لتحقيق مصالح مشتركة واسعة جداً بين الجانبين، في مجالات الاستخبارات ومواجهة التهديدات الإيرانية، كما في مجالات سياسية وحيوية على شاكلة الطاقة والمياه والممرات الاقتصادية وترتيبات التخلي السوري رسمياً عن الجولان، بل وحتى في ملف مزارع شبعا التي تعدّ واحداً من الملفات العالقة مع الجانب اللبناني.
- التحسب لخطر تحويل إسرائيل إلى عدو للغالبية السنية في سوريا، بما قد يفقد الأولى فرصة تاريخية للانخراط في ترتيبات مع ساحة مباشرة ولصيقة بها، تمنع تشكل تهديدات فيها أو مرورها عبرها.
- التمهيد مع الولايات المتحدة للوصول إلى حالة تطبيع تُساوق التطبيع المفعّل أو ذلك المقبل مع الدول الخليجية، وفي المقدمة منها السعودية.
- الحذر من أيّ تحرك مبالَغ فيه في سوريا، قد يعزل إسرائيل عن الشركاء الإقليميين والدوليين، أو يعرقل تحقيق مصالحها في الإقليم.
في المحصلة، تبدو إسرائيل اليوم أمام تحدٍّ إستراتيجي معقّد، عنوانه كيفية التوفيق بين حماية المصالح الحيوية التي تربطها بالطائفة الدرزية في جنوب سوريا، من دون أن تفقد فرصة نادرة للتطبيع مع النظام الجديد في دمشق. ففي الوقت الذي يدفع فيه الرأي العام الإسرائيلي نحو تدخل أكثر فاعلية لـ«حماية الدروز»، فإن المؤسسة الأمنية والسياسية في إسرائيل تدرك تماماً أن أيّ تصعيد كبير قد يضيّع عليها تلك الفرصة، علماً أن الإدارة القائمة في دمشق، رغم طبيعتها الجهادية وتركيبتها الهشة، قد تكون شريكاً محتملاً في كبح النفوذ الإيراني ومواجهة «حزب الله».
لكن في المقابل، تبقى الشكوك قائمة في قدرة الشرع نفسه على السيطرة على الجماعات المتطرفة المحاربة تحت لوائه، أو حتى استمرار وجود نظامه في ظلّ صراعات القوى الداخلية في سوريا.

