
كان المشهد في تل أبيب أشبه باحتفال بـ«نصر إستراتيجي»، مع سقوط نظام بشار الأسد، الحلقة الرئيسية ضمن الشبكة الممتدّة لمحور إيران. فما حصل يوم الثامن من كانون الأول الماضي، لم يكن انهيار حكمٍ فقط، بل - من وجهة نظر إسرائيل - انهياراً لبنية إستراتيجية دعمت أعداءها من دول وكيانات غير دولتية، بالسلاح والتموضع. ومن هنا، مثّل الحدث السوري فرصةً تاريخية لإسرائيل لإعادة تشكيل الجغرافيا الأمنية في الشمال، وقطْع الشريان اللوجستي لخصومها.
وإذا كان جميع مَن في تل أبيب متّفقين على ما يعنيه سقوط النظام السوري بالنسبة إلى المحور الإيراني، لكن الفرحة سرعان ما تبدّدت، ليحلّ محلّها القلق، وما وُصف لاحقاً بأنه «مأزق إستراتيجي»؛ فرغم «التخلُّص» ممَّن عادى إسرائيل عقوداً طويلة، فإن البديل لم يكن من صنْعها، بل أتى به خصم إقليمي، متمثّل بتركيا؛ والمقصود هنا زعيم «هيئة تحرير الشام»، «أبو محمد الجولاني»، ولاحقاً أحمد الشرع، الذي يوصف في الأوساط الأمنية الإسرائيلية بـ«الجهادي بزيّ مدني».
ورغم تصريحات الشرع «المعتدلة»، ودعوته إلى وقف «زمن التفجير والانتقام»، وقوله إن «لدى سوريا وإسرائيل أعداء مشتركين»، إلا أن موقف تل أبيب استقرّ على الرفض القاطع. فوفقاً لتقييم صنّاع القرار هناك، فإن الجولاني، وإنْ أصبح أحمد الشرع، سيبقى «إرهابيّاً من مدرسة القاعدة»، وفقاص لما وصفه به وزير الأمن، يسرائيل كاتس، الذي حذّر من أن أيّ تسوية معه «ستُعيد إنتاج السابع من أكتوبر 2023».
ومع هذا، لم يكن الرفض مبنيّاً فقط على هوية رأس النظام الجديد، بل على رؤية إستراتيجية أعمق، مفادها أن سقوط الأسد مثّل فرصة لإعادة تشكيل الساحة السورية جذريّاً «مرّة واحدة وإلى الأبد»، بالاعتماد على القوّة الإسرائيلية المباشرة. وهكذا، بدلاً من الاعتراف بسلطة جديدة، اتبعت إسرائيل سياسة عدوانية فورية، تُوّجت بالسيطرة العسكرية على جبل الشيخ (حرمون) الذي وُصف بـ«العين الإستراتيجية» المطلّة على عمق سوريا، وتدمير مواقع عسكرية، ومخازن أسلحة، ومنشآت دفاع جوي، وقواعد لسلاح الجو السوري.
كذلك، توسّعت هذه السياسة لاحقاً لتشمل التدخّل براً في جنوب سوريا، خصوصاً في درعا والسويداء، مع دعم علني للجماعات الدرزية والكردية، في ما قُرئ على نطاق واسع على أنه دفع عملي بمشروع تقسيم سوريا. وهكذا، فإن رسالة إسرائيل كانت واضحة: نرحّب برحيل الأسد، لكنّنا لا نعترف بالبديل، بل نسعى إلى واقع أمني جديد، يُبنى عبر التقسيم الميداني، وليس سلطة مركزية.
لا تتنازل إسرائيل عن إستراتيجيتها، بل تُخفيها خلف تكتيك التفاوض
وتجسّد الموقف المتقدّم في تصريحات كبار المسؤولين الإسرائيليين، إذ وصف وزير الخارجية، جدعون ساعر (شباط 2025)، الحكومة السورية الجديدة بأنها «جماعة إرهابية جهادية من إدلب»، قائلاً: «الإسلاميون يتحدّثون بشكل لطيف، لكن الجميع يعرف من هو الزعيم الجديد»، معتبراً أن «سوريا لا يمكن أن تكون مستقرّة، إلّا إذا ضمت أنظمة حكم ذاتية تحترم التنوع». كذلك، نقلت «معاريف» عن مسؤولين كبار، قولهم إن إسرائيل تعمل على منع توحيد سوريا تحت سلطة الشرع - الذي وُصف بأنه «ذئب في ثوب حمل» -، لئلّا تصبح دولة إسلامية قوية تدعمها تركيا ومحور «الإخوان المسلمين».
إذاً، لم يكن التقسيم خياراً تكتيكيّاً، بل هدف إستراتيجي، عنوانه منع قيام أيّ دولة مركزية قوية في سوريا، بغض النظر عن انتمائها، لضمان بقاء الجنوب السوري ساحة نفوذ إسرائيلية مفتوحة، تُدار عبر كيانات ضعيفة وتابعة. إلّا أن هذا الحلم عُوكس، وقتذاك، من جانب إدارة الرئيس دونالد ترامب التي رأت، في سياق إعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية، في الشرع فرصة لدمج سوريا في النظام الإقليمي المهيمَن عليه أميركيّاً. ولذا، التقى الرجلان في الرياض، وبعدها ذهب ترامب في اتجاه رفع العقوبات تدريجيّاً عن سوريا، كمقدمة لانخراطها في ترتيبات أمنية إقليمية تُركّز على مواجهة النفوذ الإيراني.
هكذا، ارتأت الولايات المتحدة أن تقسيم سوريا قد يُخرج كيانات جديدة عن السيطرة، مؤْثِرة، بدلاً من ذلك، دعم «الدولة الضعيفة الموحّدة» التي يمكن التفاوض معها ونزع التزامات منها، في مقابل الضغط على إسرائيل لوقف التصعيد وقبول التفاوض. وبناءً على هذا الموقف، دخلت إسرائيل في مفاوضات أمنية برعاية أميركية، أنتجت ما عُرف بمشروع «الاتفاق الأمني» أو «اتفاق عدم الحرب»، الذي يُبقي الوضع على ما هو عليه: تحتفظ إسرائيل بحرية العمل العسكري، والسيطرة على جبل الشيخ، والتدخّل في جنوب سوريا بل وعموم سوريا عند الحاجة، بينما يُسمح للشرع بالحفاظ على الحكم في دمشق، من دون سيطرة فعلية على الجنوب.
غير أن إسرائيل لا ترى في جوهر موقفها الحالي تحوّلاً أو تراجعاً عن إستراتيجيتها، بل تكيُّفاً تكتيكيّاً تحت ضغط الحليف الأكبر، خصوصاً أن الاتفاق المتبلور لا يُلزم تل أبيب بأيّ تنازلات فعلية، لا لناحية السيطرة على الجولان وجبل الشيخ، ولا لجهة «حرية العمل العسكري»، الذي تُبرّره بخطر تهريب السلاح أو تمركز ميليشيات مدعومة من إيران أو ما تسميه «قنابل موقوتة».
والأهمّ أن إسرائيل لا تنظر إلى هذا الترتيب كنهاية، بل كفترة انتقالية لا تلغي الهدف الإستراتيجي الطويل الأمد، المتمثل بمنع قيام دولة مركزية قوية، والذي باتت حتى الولايات المتحدة تميل إلى تزكيته، وفقاً لما أوحت به أخيراً تصريحات المبعوث الأميركي، توم باراك. وفي الأوساط الأمنية الإسرائيلية، يُنظر إلى الشرع ليس باعتباره شريكاً دائماً، ولكن كـ«ظاهرة مرحلية»، حين يحين موعد انهيارها، سيكون الباب مفتوحاً أمام العودة إلى الخيار المفضّل: التدخل المباشر، والتقسيم الفعلي، وإعادة تشكيل الجنوب على مقاس المصالح الإسرائيلية.
باختصار، لا تتنازل إسرائيل عن إستراتيجيتها، بل تُخفيها خلف تكتيك التفاوض، في الوقت نفسه الذي تستمر فيه في تنفيذ سياسة «التفتيت» على الأرض. وطالما أن إسرائيل تحتفظ بـ«القدرة على العودة»، فإن إستراتيجيتها لم تمت، بل تنتظر اللحظة المناسبة للانقضاض على سوريا مجدداً.

