
على رغم الوقف الرسمي لإطلاق النار الذي جاء على خلفية التدخُّل الأميركي الحاسم، وذلك بعد سنتين من حرب أرهقت كلّ أطرافها، لا يزال قطاع غزة يترنّح بين الهدوء وعودة القتال؛ إذ لا يعكس الواقع الحالي نهاية صراع، بل انتقالاً إلى فاصل مؤقّت بين جولتَي حرب، يُدار بترتيبات هشّة لا تحمل أيّ ضمانات حقيقية للاستمرارية أو الاستقرار. ووفقاً للتقديرات الأمنية في تل أبيب، فإن الهدف المُعلن للحرب، أي إزاحة «حماس» عسكرياً وسياسياً، لم يتحقَّق، في حين أن الحركة، على رغم الخسارة الكبيرة التي لحقت بها، ما زالت قادرة على حشد عشرات آلاف المقاتلين، فضلاً عن أنها تعيد ترتيب بناها التنظيمية والقتالية. لكنّ قدرة «حماس» على البقاء تظلّ مرهونة بولاء السكان لها، والذي يمنحها القدرة على التجنيد والتكيّف مع المعطيات الجديدة، وهو ما يمثّل الفشل الأكبر للحرب الإسرائيلية.
ومع انتهاء العمليات العسكرية الكبرى، تستمرّ عوامل الانفجار في التراكم: من مخيّمات مكتظّة تتحوّل تدريجياً إلى بؤر عسكرية، إلى فشل ذريع في نشر قوّة دولية فاعلة، وانهيار ثقة الفلسطينيين بالوسطاء الإقليميين الذين لم يقدّموا سوى وعود لم تتحقَّق. أمّا المؤسّسة السياسية في تل أبيب، والمتذبذبة بين الانصياع للأميركيين والعودة إلى خياراتها، فهي تدرك أن من مصلحتها إعادة إشعال الحرب، لأسباب أمنية وسياسية على السواء، مبنيّة في جزء منها على المصالح الخاصة.
ومع أن الحرب مكّنت إسرائيل من السيطرة الكاملة المباشرة على أكثر من نصف قطاع غزة، وحصر السكان في النصف الآخر، وهو ما لا يمكن إنكاره، إلا أن هذه النتيجة لا تزال تحتاج إلى استكمال، وفق ما يراه العدو. وطالما أن الظرف الأميركي لا يسمح بذلك حالياً، تعمل تل أبيب، راهناً، على تحويل «نصف الانتصار» هذا إلى ترتيبات أمنية صارمة جدّاً، تُرسّخ هيمنتها على أسس مُستدامة، ووفقاً لإرادتها، فيما الاتجاه الثاني هو العمل على إفقاد أعدائها القدرة على ترميم القدرة واستعادة التهديد، وشغلهم دائماً بموقف دفاعي لا هجومي.
في ضوء هذين الاتجاهَين، أو المصلحتَين، يقاس كل إجراء ميداني و/ أو سياسي، تُقدِم عليه إسرائيل أو تسمح به. ففي ما يتصل بالموقف من القوّة الدولية المُزمع إنشاؤها ونشرها في قطاع غزة مثلاً، يتمثّل موقف إسرائيل في القبول القسري أولاً، والرفض الضمني بلا تعبيرات علنية، ثانياً. ذلك أن نشر هذه القوات يُعدّ، من وجهة نظر تل أبيب، تنازلاً طالما حذّر منه رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، منذ تسعينيات القرن الماضي، ما يعني أن القبول بها ليس خياراً استراتيجياً؛ فضلاً عن أن إسرائيل تشكّك أصلاً في فاعليتها، إذ لا أحد في الشرق الأوسط أو خارجه، مستعدّ لدفع ثمن مواجهة «حماس»، وتحديداً بالقوّة العسكرية، بالوكالة عن تل أبيب ومصالحها.
تعمل تل أبيب، راهناً، على تحويل «النصف انتصار» إلى ترتيبات أمنية صارمة جدّاً، تُرسّخ هيمنتها في غزة
لكن بديل القوّة الدولية مرفوض أيضاً، وهو الذي قاد إليها في الأساس؛ فإسرائيل تعارض وجود أيّ قوّة فلسطينية مرتبطة بالسلطة أو تحت أي مسمّيات أخرى، لأن من شأن ذلك أن يعيد ربط الضفة بالقطاع، ويحيي مسار «حلّ الدولتين» المرفوض هو الآخر. إلا أن فشل القوّة وتحوّلها إلى «ديكور» سياسي وميداني، لا يعنيان إلغاءها، بعدما باتت حقيقة ثابتة يُعمل عليها، ما يعني أنها ستكون مُضِرّة أكثر من كونها مفيدة للمصلحة الإسرائيلية، باعتبار أنه سيكون من شأنها أن تحدّ نسبيّاً من قدرة تل أبيب على المناورة، وتحيطها بالتزامات لا تريدها.
أمّا بالنسبة إلى «الخطّ الأصفر»، فتتعامل إسرائيل معه باعتباره نتيجة ميدانية للحرب، قد يكون دائماً أو لا يكون، وفقاً لما ستؤول إليه عملية تشكيل القوّة الدولية. مع ذلك، لا يُعدّ هذا الخطّ ثابتاً بالضرورة، بل أداة مرنة وقابلة للتجاوز في حالات المناورة والعودة إلى العمليات، وهو ما عبّر عنه رئيس أركان جيش الاحتلال، إيال زامير، صراحةً قبل أيام، حين قال: «علينا أن نكون مستعدّين للانتقال السريع إلى هجوم واسع لاحتلال مناطق في قطاع غزة من وراء الخط الأصفر»، ما يشير إلى أن إسرائيل ترى في أيّ ترتيب أمني مقبل باباً مفتوحاً أمام الحفاظ على المناورة العسكرية، وليس تقييدها باسم الاستقرار السياسي.
وفي ما يتعلّق باستمرار الاغتيالات، فعلى رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار في قطاع غزة، تواصل إسرائيل شنّ غارات جوية وتنفيذ تصفيات موجّهة، مبرّرة ذلك بوجود «تهديدات فورية». ووفقاً للبيانات المتكرّرة الصادرة عن الجيش الإسرائيلي، فإن هذه العمليات لا تُعدّ خرقاً للهدنة، بل هي جزءٌ لا يتجزّأ من التزامه بـ»الدفاع عن النفس». والواقع أن تلك الاغتيالات تشكّل جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى ترسيخ هيمنة أمنية وعسكرية إسرائيلية دائمة في غزة، سواء في المرحلة الحالية من الهدنة، أو في مراحل ما بعد الحرب، أو في الفواصل بين جولاتها، فضلاً عن تفكيك القدرات العسكرية والقيادية للفصائل الفلسطينية بشكل تدريجي، تحت غطاء الاستجابة الفورية للتهديدات. كما توظَّف عمليات الاغتيال كأداة لرسم قواعد اشتباك جديدة في المرحلة الانتقالية، وتعزيز ما تسمّيه إسرائيل «الردع الاستباقي والوقائي»، حتى في سياق تهدئة رسمية مُعلنة.
في النتيجة، لا تقترب الممارسات الإسرائيلية البتّة من نقطة إنهاء الحرب، بل من شأنها الحفاظ على جذوتها مشتعلة، وجعلها حرباً معلّقة ودائمة من دون حسم. وذلك ما يجعل الباب مفتوحاً أمام تصعيد جديد في أيّ لحظة، بل واستئناف القتال سيناريو مُرتقبٌ أكثر مما هو احتمالٌ عابرٌ.

