على بالي

ستُكتب أطروحات عن موقف اللّيبراليّين العرب ممّا اصطُلح على تسميته في سنوات الحرب السوريّة بـ«الثورة السوريّة»: كيف تنطّح اللّيبراليّون فوراً لتبنّي الثوّار والزعْم أنّهم هم حَمَلة مشاعل التنوير والحريّة في العالم العربي.
جعلوا من «الجيش السوري الحرّ» (المدعوم خليجيّاً) عنواناً للمعارضة المسلّحة واتّهموا كلّ من حَذّر من تنامي قوّة العصابات الجهاديّة التكفيريّة بـ «الإسلاموفوبيا» (والطرفة أنّ هؤلاء أبعد ما يكونون عن الحساسية من الإسلاموفوبيا، ونذكر مواقفهم المنفّرة من حملة «جو سوي».
هؤلاء تضامنوا مع «تشارلي إبدو» أكثر ممّا تضامنوا مع الشعب الفلسطيني في محنته في غزّة. هؤلاء قلّلوا من دَور الجهاديّين وأصرّوا على سرديّة ثورة ليبراليّة علمانية نسويّة. لكنّ الثورة انتصرت ووصل قائدها الجولاني إلى الحُكم.
وقع هؤلاء في ورطة وفضّلوا الحديث عن النظام السابق لتغيير الموضوع. هؤلاء أيّدوا العقوبات الوحشية على سوريا وزعموا في حينه أنّها لا تطال إلّا بشار وزبانية النظام.
ولمّا سقط النظام، لاحظوا فجأة أنّ العقوبات تؤذي مُجمل الشعب السوري وطالبوا برفْع العقوبات تزامناً مع تطمينات شبه يومية أصدرها أحمد الشرع لإسرائيل، وأعلن عن تضامنه معها-لا بل أعلَمها أنّه يشاركُها أعداء مشتركين-.
وفي كلّ ما يجري من خروقات حقوق إنسان في سوريا (ضدّ النساء والأكراد والعلويين والدروز والمسيحيّين) يصمت اللّيبراليون لأنّ أنظمة الخليج (بالتنسيق مع أميركا وإسرائيل) تريد منْح غطاء لنظام «القاعدة» على أرض سوريا.
وعن العدوان والاحتلال الإسرائيلي المتوسّع في سوريا، لا يقول هؤلاء شيئاً لأنّهم في الخندق نفسه. كلّ الخروقات لحقوق البشر في سوريا لا تلقى اهتماماً لا من منظّمات حقوق الإنسان الغربيّة ولا من جمعيات الثورة والحريّة عندنا (المُمَوِّل واحد في الحالتَين- حكومات الناتو وسوروس-).
الشعب السوري متروك في هذه المحنة، وعبادة الفرد للزعيم الأوحد تستقي من تراث البعث وتضفي عليه طابعاً دينيّاً.
المسألة السورية لم تكن عن سوريا، لا في الغرب ولا في الخليج (وأتباعه عندنا). سوريا كانت موضوع حرب ضدّ حركات المقاومة ولطمأنة إسرائيل. تصاريح السفير فورد عن تدريبات أحمد الشرع وإعداده تفوق خيال نظريّات المؤامرة.
