على بالي

تفلّتت الكثير من الأصوات والأقلام بعد الحرب الأخيرة على لبنان، وهذا حسن. كُثر كانوا مكبوتين، ربّما بفِعل سطوة حزب الله أو رهبته. لكنّ هذا يدلّ على نفسيّة ازدواجيّة مُخادِعة.
أي إنّ هؤلاء لا يجاهرون بما يعتقدون في سرّهم. وسام لحّام كان قبل الحرب الأخيرة يبدو معتدلاً ورزيناً وغير طائفي.
كان يُستَضاف على أنّه حُجّة دستوريّة وقانونيّة. والكثير من الأصوات التي باتت مختلفة جذريّة في التعبير عن آرائها هم مِن الانعزاليّين التقليديّين واللّيبراليّين.
لو أنّ أكاديميّاً مُسلماً كتب ما كتبه لحّام من تنميط استشراقي وطائفي ومذهبي وعنصري لقامت القيامة.
لكنّ البلد تأسّس من المُستعمِر على أُسس الإسلاموفوبيا الغربيّة. يذكرُ لحّام، بتشفٍّ، «الهزيمة المدويّة أمام إسرائيل».
لا أذكر أنّه ذكرَ يوماً بعد حرب تمّوز (هو أو غيره من المُشدِّدين على «الهزيمة المدويّة للحزب») النصر المدوّي ضدّ إسرائيل. أمثاله لا يحتفلون إلّا بهزائمنا أمام إسرائيل والنصر لا يستحقّ إلّا السخرية.
يتحدّث عن جمهور الحزب بطريقةِ أيديولوجيةِ معاداة السامية التاريخية نفسِها: المجموع كتلة متراصّة يفكّرون بالنمط نفسه ولديهم العقل نفسه (فلنسمّه «العقل الشيعي» على غرار «العقل العربي» لباتاي).
يقول إنّ هؤلاء الشيعة «استفاقوا على حقيقة الوهم والأساطير».
كيف نعلم أنّهم عانوا من أوهام؟ لسبب بسيط. لأنّ النُّخبة (خارج الطائفة طبعاً) في لبنان هي تعرف الحقيقة وهي التي تفهم الحريّة -منطق بيار الجميّل نفسه عن أوهام مجموع المسلمين- (لحّام لا يشمل السُّنة وهذا دليل على حساسية إنسانية).
يريد أن يستوعب الجمهور بسبب جرحه: لعلّه يقترح نوعاً من الانتداب على الشيعة لأنّهم أدنى مرتبة ذهنيّة منه.
وقوّة الحزب التي هزمت إسرائيل في حرب تمّوز هي «وهميّة-بحسب لحّام- أي إنّ النصر كان وهميّاً ولو اعترف العدوّ به.
يضيف: إنّ هؤلاء يشعرون بالمذلّة إزاء باقي الطوائف. يريد للشعب اللّبناني أن «يلمّ» بعضه.
في هذا المطلب من الإنسانية ما لدى اللّورد بلفور عندما وعد بحفظ «الحقوق الدينية والمدنيّة» لغير اليهود على أرض فلسطين. لا يمكن اتّهام لحّام بعدم الاهتمام بحقوق الطائفة الموهومة ومشاعرها في لبنان.
