على بالي

يروي فؤاد بطرس في مذكّراته، من باب الاعتداد، أنّ السفير الأميركي كان يسأله بعد الاجتماع: ماذا تريدنا أن نقول؟ وكان بطرس يشير عليه بالحديث عن السيادة أو غيره من الموضوعات. بنظر بطرس، إنّ السفير الأميركي كان يأخذ بمشورته. وبنظر السفير الأميركي (المُستعرِب ويليام باركر الذي عرفْته في سنوات تقاعده في واشنطن) فإنّ السؤال دليل أنّ كلام السياسة الخارجية لا معنى له على الإطلاق، وهو كان يسأل بطرس لأنّ الكلام مجرّد كلام، فيما كانت أميركا تقوم بما تريد في منطقتنا، ولو كان في تضادّ مع الوكلاء والحلفاء المحليّين.
إنّ التسريبات الصهيونيّة اليومية في محطّة «الجديد» (وباتت أخبث محطّة وأكثرها صهيونيّةً) ليست تعبيراً عن الموقف الأميركي بقدر ما هي انعكاس لمواقف النظام الإماراتي وأتباع السعودية والإمارات في لبنان. من المضحك الظنّ أنّ إلحاح مارك ضو أو علي حمادة أو ألبير كوستانيان على تسريع نزْع سلاح الحزب هو موقف الإدارة الأميركية. هؤلاء يريدون تحسين مواقعهم الطائفيّة والسياسية، ويظنّون أنّ الإلحاح على ضرورة نزْع السلاح اليوم قبل الغد سيضغط على الإدارة الأميركيّة التي تقلق على مصير ضوّ في الانتخابات المقبلة.
أميركا مستعدّة أن تقول ما يشاء حلفاؤها من دون أن تفعل ما يطلبون. أبلغ تجربة هي ١٤ آذار حين توهّم أقطابها أنّ أميركا على أهبة الاستعداد لاقتلاع حزب الله ورمي الشيعة شرقاً، ثم تقوم بقلْب النظام السوري. تحمّس السياديّون يومها خصوصاً في حفلة الساندويشات.
سوريا هي المشروع الأوّل لأميركا ولإسرائيل؛ لأنّ هناك «فرصة» لإعادة تركيب نظام وحياكة أوطان متقطّعة كي يسهل لإسرائيل التدخّل فيها وإثارة الفتنة متى تطلّبت مصالحُها ذلك (دائماً كلمة فرصة تكون مقرونة في المشرق بأطماع إسرائيل، وأهل الحُكم في لبنان يستعملونها بشَوق تماماً كما استعملها بشير الجميّل قبل الاجتياح الإسرائيلي وبعده في لبنان).
ألبير كوستانيان لا يقبل بنزْع سلاح حزب الله: يريد أن يكون النزْع فورياً. والضيوف المشبوهون على محطّة «الجديد» يريدون تفكيك الحزب تمهيداً لإبادة الشيعة. لم تكن صفوف الطائفة متراصّة في تاريخها أكثر من اليوم.
