على بالي

فاجأهم توماس براك في عقر دراهم. قبل أن يصلَ الرجل إلى لبنان، وبمجرّد أن توصّلت الحكومة (عبر لجنة تمثّل رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب وبالتنسيق مع حزب الله) إلى بلْورة الردّ الرسمي، ثارت ثائرة أتباع السعوديّة والإمارات في المحطّات المشبوهة الثلاث.
مراسلة «الجديد» في واشنطن باتت تتخصّص في ضخّ التهديدات الإسرائيليّة اليوميّة من أجل نزْع سلاح الحزب فوراً. مارك ضو (الذي له تاريخ مجيد في مقارعة إسرائيل في الميدان وفي المحافل الدوليّة) أصرَّ أنّه سينزع سلاح الحزب بالقوّة. هذه الفكرة تستحقّ أن تُجرَّب كي ترى ضوّ وهو يجول في أنحاء لبنان (مع صَحبه الأشدّاء) لنزْع السلاح بالقوّة. براك كان ألطف في خطابه من اللّبنانيّين من أتباع أميركا والخليج. واضح: هؤلاء أقرب إلى منطق إسرائيل من أميركا، ومن سموتريتش وبن غفير أكثر من نتانياهو.
هؤلاء يريدون من إسرائيل أن تقوم بمهمّة تخليصهم من الحزب، ومن الشيعة لو تيسَّر ذلك. هؤلاء يقدّمون أوراق اعتماد إلى السعودية والإمارات. هؤلاء من سلالة الذين ناصروا إسرائيل في حرب ١٩٨٢ ضدّ الشعب الفلسطيني ومَن آزرهم من اللّبنانيّين، ومن سلالة أنصار إسرائيل في حرب تمّوز (كلّ فريق ١٤ آذار من دون استثناء، ومن طوائفهم المتنوّعة، بما فيهم الشيعة الذين مثّلوا ويمثّلون نحو ٣٪ من مجمل الشيعة. واحد منهم نال نحو مائة صوت في الانتخابات البلديّة الأخيرة.)
«الفرصة» التي يتحدّث عنها الجميع هي فرصة إعادة تركيب سلطة الحُكم كي يتسنّى لإسرائيل والسعودية حُكم لبنان باتّجاه التطبيع -على نسق حُكم القاعدة في الشام-. لكنّ مسؤوليّة الإعلام في التحريض السياسي والطائفي تنمّ عن فساد هذا الإعلام الذي ينفِّذ ما يأتيه من أوامر خارجيّة. فساد الإعلام أسوأ من الفساد السياسي لأنّه يتقاطع مع أنواع عدّة من الفساد. برنامج مارسيل غانم مثلاً: هل يمثّل الفساد الإعلامي أم السياسي أم الديني أم المصرفي؟ أو أنّه يمثّل النزاهة والمهنّة بقيَمها السامية؟ أنا أرجِّح الثانية لِما للبرنامج من أيادٍ بيضاء في إحقاق الحقّ.
