على بالي


مرّت أمس ذكرى قرْن على ولادة المؤرّخ وليد الخالدي. وهو يعيش اليوم في مدينة كمبردج خارج بوسطن. قرن كامل من الزمن عاشه الخالدي وشهد فيه على أحداث تاريخيّة وشاركَ في صُنع بعضها، كما أنّه قابَل الكثير من الشخصيات العالميّة.
زرتُه مرّتَين في العامَين الماضيَين، والمرّة الأولى كانت برفقة الصديق العزيز، هاني سلام (ابن عمّته). ليس من المبالغة القول إنّ ذاكرة الخالدي وشدّة تركيزه اليوم يغبطه عليها الشباب.
حافظ على روتينه المُضني في العمل والجدّ والإشراف على عمل «مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة ». الخالدي هو مؤسِّسٌ لأوّل مركز أبحاث عربي، وكان ذلك في عام ١٩٦٣. يعمل الخالدي على كتابة مذكّراته باللّغة الإنكليزيّة، وهو لا يزال في كتابة مرحلة الشباب.
من ذكريات الخالدي لقاؤه الأوّل مع جمال عبد الناصر بعد العدوان الثلاثي على مصر.
قال له عبد الناصر: تبدو بريطانيَ الملامح. أجابه خالدي مذكِّراً بتاريخ العائلة المقدِسي العريق. كان كيم فيلبي («الجاسوس» بعُرف الغرب) من أصدقائه عندما عمل في بيروت مراسلاً.
الخالدي كان أستاذي في الجامعة الأميركيّة في بيروت، وترك كبير الأثر على طريقة تفكيري وتدريسي للقضيّة الفلسطينيّة. لو أنسى لا أنسى كيف كان يشرِّح نصّ وعد بلفور كلمةً كلمة.
والرجل يتحدّث الإنكليزية مثل أهلها من دون أن يفتر اهتمامُه الضليع باللّغة العربيّة. نشرَت «الأخبار» له مقالات عدّة وكانت لغته العربيّة تُبهر القراء وتُذهلهم. كان يُسَرُّ عندما كنتُ أنقل له إعجاب قرّاء بلُغته المتينة، خصوصاً عندما استعمل التعبير القرآني «قسمة ضيزى».
يواظب على قراءة كتاب «المجاني» للويس شيخو للحفاظ على لغته العربيّة، ويقرأ في غير كتاب في اليوم. لا يزال مؤمناً بحلّ الدولتَين لأنّه لا يرى خياراً مُمكناً آخر، مع أنّ كتاباته عن القضيّة باتت أكثر راديكاليّة.
قال لي في آخر زيارة له إنّه لا يرى حتميّة انهيار الصهيونيّة طالما حافظت أميركا على دعْمها المُطلق لإسرائيل. كان الخالدي من القلّة الذين تجرّأوا على نقْد ياسر عرفات في وجهه. نستطيع أن ننتظر المزيد من إنتاج الخالدي في قرْنه المُقبل.
