على بالي

بالنسبة إلى جريدة «النهار»، إنّ الزمن الجميل يتلخّص بمشاهد الفقراء عندما كانت ظهورهم شاحنات نقل، وعندما كان أطفال الشيعة والأكراد يحملون سلالاً فيها ما هو أثقل من أوزانهم.
لـ«النهار»، الزمن الجميل كان عندما كان المسلمون مقموعين ومغبونين، وعندما كان زعماء المسلمين مجرّد «طراطير» عند الزعماء الموارنة.
«الزمن الجميل» كان عندما كان المكتب الثاني يحكم المخيّمات بعصا غليظة، وعندما كان الجيش اللّبناني متواطئاً مع «جيش» إسرائيل لقمع العمل الوطني والمقاوِم. الزمن الجميل عندي زمنٌ آخر. بيان نويهض الحوت كانت تجسيداً لزمنٍ جميلٍ آخر.
بيان من نخبة كرّست كلّ حياتها لدراسة فلسطين وتاريخها والتعريف بالقضيّة الفلسطينيّة. هي أكملت شهادة الدكتوراه تحت إشراف أنيس الصايغ الأكاديمي الفذّ الذي شهدت أصابعه المبتورة على شدّة إزعاج كتاباته وأبحاثه للعدوّ الإسرائيلي.
بيان نويهض الحوت وُلدت في فلسطين لأب (عجاج نويهض) قرّر الانتقال من رأس المتن إلى فلسطين للعمل ضدّ الانتداب البريطاني. عائلة وطنيّة توارثت الالتزام والتفاني والعمل القومي. عملت بيان في مجلّة «الصيّاد» حيث غطّت القضايا المرتبطة بمعاناة الأمّة، عندما كانت «الصيّاد» مجلّة قوميّة ملتزمة.
تزوّجت من شفيق الحوت وكانت الناس تتساءل: هل هما فلسطينيّان أم لبنانيّان؟ اختلط الأمر على الناس لأنّ عملهما حُسب لصالح لبنان وفلسطين معاً.
كان الشيخ بيار الجميّل يقول لشفيق الحوت: مش حرام إنّك فلسطيني؟ كتبت بيان نويهض الكثير عن القضيّة الفلسطينيّة، وكتابها الأوّل عن «القيادات والمؤسّسات السياسيّة في فلسطين، 1917-1948» عمل موسوعيّ بكل ما للكلمة من معنى.
وفي الوقت الذي كتب فيه الكثير من الغربيّين والغربيّات عن مجزرة صبرا وشاتيلا، قرّرت بيان نويهض الحوت أنّ الموضوع يجب أن يحظى باهتمام عربي لبناني محلّي. أليس معيباً أنّ المكتبة عن الحرب تفتقر إلى كتابات ودراسات لبنانية عن المجزرة باستثناء دراسة بيان نويهض الحوت؟
هل هناك بيننا اليوم أمثال بيان نويهض الحوت من اللّبنانيّين الذين يكرّسون كلّ جهدهم لفلسطين من دون مقابل ومن دون تقدير ومن دون تصفيق؟ على العكس: لبنان بات اليوم بلداً يصبح فيه التفاني من أجل فلسطين عملاً مشبوهاً.
