على بالي

يتحدّث الجميع عن ظاهرة التكويع. هي ظاهرة تغيير المواقف في المحطّات الكبرى، عندما تتغيّر موازين القوى، والأهم عندما تتغيّر هويّة المُمَوِّل النافذ للكتّاب والإعلاميّين. مَن كان في سنّي، يتذكّر كم كان هناك مؤيّدون ومهلّلون للنظام العراقي واللّيبي فقط لأنّهما كانا سخيَّين ومعطاءَين نحو الصحافيّين والكتّاب والأكاديميّين.
يستطيع عدد من الكتّاب والصحافيّين في لبنان أن يعطونا دروساً في اتّباع مواقف الممَوِّل مهما كان. كانت منظّمة التحرير في لبنان تدفع لصحافيّين وتجنّد بعضهم مخبِرين لها، وكانت الصحافة تكيل المديح لياسر عرفات.
وبمجرّد أن غادر عرفات لبنان وتوقّفَ الدفع، تحوّل هؤلاء إلى أبواق ضدّ المنظّمة، ومعظمهم لجأ إلى «بيوتات» الإسلام التقليدي في لبنان (وإلى الحريري فيما بعد). بعد ١٩٨٢، تغيّرت المواقف بين ليلة وضحاها.
مفتي صور المطرود، علي الأمين، انتظر يوم وقْف النار في الجنوب في ٢٠٠٦ كي يصدر مواقف ضدّ المقاومة.
في هذه الحرب الأخيرة، شاهدنا كتّاباً وصحافيّين من الذين تربّوا في حضن جهاز حزب الله (وكم أخطأ الحزب في توليد ظواهر ملوّثة من الإعلاميّين والسياسيّين) وهم ينتقلون من ضفّة إلى أخرى. ما الذي غيّر قناعاتهم؟
هل أنّ إسرائيل باتت أقلّ خطراً؟ هل أنّ أرض لبنان لم تعد محتلّة؟ هل أنّ الترتيب الإبراهيمي أثبت جدواه في الحرب الأخيرة في لجْم عدوان إسرائيل؟ هل أنّ مقاتلي المقاومة جَبُنوا على أرض المعركة؟
«التكويع» يتعلّق فقط بظاهرة الانتهازيّة وترقّب انتظار وجهة الريح من أجل التكيّف، بغرض المنفعة الماديّة أو السياسيّة. التكويع سينمو ويكبر حسب المتغيّرات.
الذين هلّلوا للشرع سينقلبون عليه لو سقط أو خسر رعاته الخارجيّين. وأعداء الحزب (العتاق والجدد) قد يتغيّرون لو حدث تغيير في موازين القوى من جديد.
المحطّات الكبرى تنقّي الصفوف وترذل المتخاذلين والفاسدين. يجب الترحيب بتكويع إعلاميين وسياسيّين. هذه ظاهرة صحيّة خصوصاً لأنّ الحزب لم يكن يكترث لو أيّده فاسدون وساقطون.
الناس تغيّر مواقفها، والمزاج يتغيّر بناء على تحريض أو تعبئة أو حملات بروباغاندا قويّة. لكنّ التكويع سِمة للساسة والإعلاميّين.
