على بالي

سنكتشفُ قريباً حجمَ غياب زياد الرحباني عن حياتنا. حتّى عندما كان يعتكفُ، كنّا نشعر بحضوره القوي. كُنّا نسمع كلامه قويّاً بصمْته. لم يشبه أحداً ولن يشبهه أحد. طبعَ بإنتاجه البديع وبشخصيّته الفريدة جوانب متعدّدة من حياتنا. هناك غيرُ جيل نشأ على حفْظ كلماته عن ظهر قلب في مسرحيّاته ومقابلاته. يُقال بأمثال أجنبيّة إنّ التقليد هو نوع من الإطراء المخلص، وكم من المُقلِّدين لزياد هناك. وكم منهم من السمجين.
أنا أعرف أشخاصاً في سنّي غيّروا طريقة كلامهم بعد اكتشافهم لزياد. كنّا ننتظر إطلالته بشَوق شديد (وكنا نتساءل عن خلفيّات اختياره لمحاوريه، لكن هذا شأنه)، كما كنّا نخشى غيابه بعد إطلالاته. انتظار مسرحيات جديدة له كانت جزءاً من شبابي، ثم توقّفَ بعدما ابتعد النقّاد وربّما الجمهور عن آخر مسرحيّة له.
مثل محمود درويش في شجاعته الأدبية، زياد اختطَّ فنّه بصرْف النظر عن توقّعات الجمهور. لم يعطِ الجمهور ما يريد، بل أعطاه ما يريده هو وأخذ الجمهور معه. أوّل تلحين له لفيروز أثار اعتراضات واحتجاجات، لكنّ الناس لم تلبث أن فهمت فيروز الجديدة وقدّرَتها. لولاه لبقيت فيروز حبيسة «بحبك يا لبنان». لم استسغِ النمطَ الجازيّ في أغانيه وأحببت ألحانه الأولى والأخيرة. هناك أغنيات رائعة له من جوزيف صقر ومروان محفوظ (لماذا أوقف التعاون معه؟) وجورجيت صايغ.
أغاني «سهريّة» ترافقني في سباحتي. عقل زياد الرحباني فريد من نوعه وتركيبه للجمل من أدب السهل الممتنع جدّاً. ستكون هناك محطّات في حياتنا ستذكّرنا بزياد وسنعلَم حينها أنّه لن يشاركنا اللّحظة. لن ننتظر مسرحيّة كما انتظرنا مسرحيّاته (أنا كدتُ أقع عن كرسيّي أثناء مشاهدة مسرحيّة «بالنسبة لبكرا شو») ولن ننتظر ألحاناً جديدة لفيروز منه. لن نترقّب مقابلات كما ترقّبنا مقابلاته، وسنقول: أين زياد ممّا يجري في العالَم العربي؟
هل أنّ الأحداث الجِسام في السنة الماضية هي التي قتلت زياد أو أسهمت في تسريع موته مثلاً؟ نعلم أنّ زياد ظاهرة فذّة في حياتنا وأنّ كلّ مقلّديه سيفشلون في مساعيهم، فليُقلعوا.
