على بالي

عبدالله بو حبيب لم يكن مُعَدّاً له أن يصبح ديبلوماسيّاً. كان كتائبيّاً متعصّباً في شبابه وانضمّ إلى شلّة بشير الجميّل في الجامعة.
درس الاقتصاد وعمل في البنك الدولي، لكنّ السياسة بقيت هاجسه الأوّل. أرسله بشير الجميّل مع ألفرد ماضي لتأسيس أوّل مركز للقوّات اللّبنانيّة في واشنطن.
سألته كثيراً عن تلك الفترة وعبّرتُ له عن قناعتي أنّ التأسيس كان برعاية منظمة «إيباك» (اللّوبي الإسرائيلي). ومثل آخرين، استعانَ به أمين الجميّل مع عِلمه أنّه كان من فريق أخيه.
عندما جئتُ إلى واشنطن بغرض الدراسة في عام ١٩٨٣ كان يشغَل منصب سفير لبنان. في تلك الفترة لم يكن سفير لبنان.
كان سفير «القوّات اللّبنانيّة» وحزب «الكتائب». كنّا نحن المعارضين لحُكم الجميّل نَعدّه خصماً وعدوّاً لا ممثّلاً لنا. لكنّ نظام أمين الجميّل تعرّض للهزيمة والإذلال بحُكم خضوعه للمشيئة الإسرائيليّة.
عند ذلك (بعد انتفاضة ٦ شباط) تغيّرت أوامر السفير وأصبح بحاجة للظهور بمظهر مختلف. دعا طلاب الدراسات العليا من اللّبنانيّين في واشنطن ونيويورك للاجتماع في مقرّ السفارة.
لم أكن لأفوّت هذه الفرصة. جلستُ واستمعتُ إلى كلمته التي قال فيها إنّه يمثّل كلّ اللّبنانيّين وليس فئة منهم. بعد أن انتهى من كلامه، كنت أوّل المُعقّبين. قلتُ له: أنت لا تمثّلني ولا تمثّل أكثر من نصف اللّبنانيّين.
أنت سفير فئوي طائفي كتائبي منحاز، وعليك أن تتوقّف عن الزعم في الإعلام أنّك تنطق باسم اللّبنانيّين. وأفضتُ في الحديث. استوعب كلامي ووعد بمسار مختلف، أو كلام من هذا القبيل.
ومرّت السنوات والتقيتُ به في التسعينيّات في لقاء جمع عروبيّين وقوميّين وشيوعيّين ومقاوِمين. سألتُهم: ماذا يفعل هنا معكم؟ قالوا: تغيّرَ. لم يعد انعزاليّاً. وبالفعل تغيّر وانفتحَ.
كتب عن تجربته سفيراً وكانت من أفضل كُتب التجربة السياسيّة. لم يكن وزير خارجيّة تقليديّاً. لم يستعرض ولم ينتشِ ولم يحبّ المظاهر.
أخذ مهمّته على محمل الجدّ وكان من أكثر وزراء الخارجيّة فهماً للسياسة الأميركيّة نحو لبنان. أدرك أنّ سياستها نحوَنا ليست إلّا اشتقاقاً من سياستها نحو إسرائيل.
