على بالي

في أنّ المفاهيم تعني أحياناً (في الاستعمال السياسي البياني) عكسَ المعنى المقصود، قاموسياً. ياسر عرفات، مثلاً، تغنّى بالقرار الفلسطيني المُستقلّ والذي لم يعنِ فيه إلّا التباعد عن النظام البعثي السوري والتقرّب والارتهان لمحوَر السعوديّة بالنسبة للقضيّة الفلسطينيّة.
شفيق الوزّان كان في مجلسه الإسلامي (مجموعة هو أسّسها) يتحدّث عن المشاركة، لكنْ في ترجمته في رئاسة الوزارة كان أضعف رئيس حكومة (قبل عهد نوّاف سلام الذي سيسجّل درجة أعلى من إضعاف المقام الطائفي والسياسي للمركز).
عندما تقول السعوديّة نحن على مسافة واحدة من كلّ الأطراف في لبنان فإنّها تعني: أكبر حزب لبناني هو حزب إرهابي وسأعادي كلّ طرف لبناني لا يعاديه.
لكنّ تعبير السيادة هو الأكثر تلاعباً بين كلّ المضامين. في الحقبة التي عقد فيها حزب الكتائب وتنظيمات الفريق الانعزالي تحالفاً وثيقاً (عسكرياً وسياسيّاً وأمنيّاً) مع إسرائيل، زاد صياحهم عن سيادة لبنان. وبيار الجميل في تصريحاته اليومية عن السيادة في الستينيات والسبعينيات كان يقصد أنّ سيادة لبنان تترسّخ عبر تحالف حزبه مع إسرائيل التي كانت تموِّل وتسلِّح حزبه.
الفريق الحاكم اليوم يتبع أسلوب بيار الجميّل نفسه. تصريحات عالية السقف ضدّ زيارة مسؤول إيراني لم يخرق أيّ بروتوكول ولم يُهِن أيّ فريق لبناني (حتى أنّه لم يُهِن الفرقاء الذين يستحقّون الإهانة بسبب تذلّلهم للعدو الإسرائيلي). ورقة الإملاءات الإسرائيليّة (التي تطالب لبنان بالتنازل عن سيادته لصالح عدوان إسرائيل واحتلالها) باتت عنواناً لتحقيق السيادة وأصبح رفْض الإملاءات يعني الاستهانة بالسيادة.
والفريق اللّبناني الذي دافع عن سيادة لبنان منذ الاستقلال (حركات وطنية وتقدميّة وتنظيمات مقاومة على أنواعها) اتُّهموا دائماً بالتفريط في سيادة لبنان. لم يخاطب أحد بيار الجميل بالقول: أنتَ تتحدّث عن سيادة لبنان؟
أنت الذي كنتَ تتلقّى الدفوعات لتمويل حملاتك الانتخابيّة منذ الخمسينيّات من إسرائيل (وبمبالغ زهيدة، ألف دولار هنا وألف دولار هناك) وتعظ الشعب اللّبناني بالحديث عن السيادة؟ هذه مثلما يحدّثنا السنيورة في موضوع المقاومة وضرورة تحويلها إلى ديبلوماسيّة. أنا لا أعني عكس ما أقول في هذه العجالة.
