على بالي

هناك ثنائيّات متنوّعة من رؤساء الحكومات ورؤساء الجمهوريّة. كان هناك رؤساء حكومة أقوى من غيرهم، وآخرون تمرّسوا في أداء دور ما سُمِّيَ في المصطلحات السياسيّة اللّبنانيّة بـ«الطرطور»، أي التابع لرئيس الجمهوريّة. صائب سلام، مثلاً، وبالرغم من أنّ رئيس الجمهوريّة كان حاكماً مُطلقاً قبل الطائف، إلّا أنّه فرضَ نفسه على الرؤساء: هو بعد فضيحة اغتيال القادة الفلسطينيّين في ١٩٧٣ أصرّ على أمرَين:
١) استقالة قائد الجيش.
٢) حظْر توزير طوني فرنجية بسبب شبهات فساد. أصرّ سلام على موقفه. أتوا برشيد الصلح وكان أوّل ما قاله: أنا أصرّ على توزير طوني فرنجيّة. نوّاف سلام وجوزيف عون أعادانا إلى زمن ثنائيّات شمعون-سامي الصلح، وسركيس-الوزّان، أو أمين الجميّل-الوزّان.
غرّد سلام في ذكرى اغتيال بشير الجميّل وردّد شعاره عن مساحة لبنان (وهذا الشعار كان يعني أنّ طموح القوّات توسّع من كانتون ماروني إلى فرْض سيطرة إسرائيل وأدواتها على كلّ لبنان بعد صعود اللّيكود). هنا، كان نوّاف قد هجر اليسار، كبُرَ طموحه السياسي.
وفي الوقت الذي قاطع المسلمون واليساريّون والقوميّون بشير الجميّل، أصرّ نوّاف على زيارته، لكنّ بشير الجميّل (بحسب رواية صائب سلام وهي مبنيّة على رواية نوّاف له): لم يجد نوّاف اكتراثاً من بشير بل «عدم مبالاة لأنّ بشير يبدو أنّه يميل إلى التعامل مع الإسرائيليّين، وهو يعتمد عليهم ويسهِّل عملهم». صائب تعامل مع بشير بضغط من السعوديّة التي كانت قد تبنّت ترشيحه وتعاونت معه، لكنّ نوّاف حاول أن يتعاون معه بدافع الطموح السياسي الشخصي.
وكان هذا الدافع وراء عرْض نوّاف لمواهبه على أمين الجميّل (حسب ما روى لي الراحل إدوار سعيد) وللتطوّع في فريق ١٧ أيّار اللّبناني. لكنّ أمين لم يستعن به، وانتظر نوّاف لسنوات طويلة قبل أن يقدِّر الإصلاحي فؤاد السنيورة مواهبه ويعيّنه في مناصب ديبلوماسيّة. لكن صائب سلام يشرح في آخر جزء من مذكراته كيف أنّه استخلص مِن عِبر الحرب الأهليّة أنّ قادة الكتائب هم المسؤولون عن الحرب بالدرجة الأولى. نواف غرّد عن رفْض الاغتيال السياسي متناسياً سجلّ القوّات في هذا الصدد.
