على بالي

المذكّراتُ السياسيّة تتكاثرُ هذه الأيام، والصفحاتُ لا تتّسع لمراجعة كلّ ما يُنشر. الجزء الثاني من مذكّرات فاروق الشرع هو حُكماً أكثر فائدة من الجزء الأوّل لأنّ الرجل تحرّرَ.
المؤلّف يعاني في روايته: يصارع مع رئيس مُتكتِّم ومُنغلق ومُتفرّد بالسلطة والقرار. يضمُّ الكتاب (وسأعودُ له عندما أنتهي من سلاسل لا تنتهي) بين دفّتَيه أفضلَ تصوير عن قرب لشخصيّة بشّار الأسد. تقرأ الكتاب وتتيقّن أنّ محور المقاومة أخطأ في إنقاذ نظام كان مآله السقوط بسبب شخصيّة الرجل. طاغية أكثر انغلاقاً وغروراً من أبيه. يقول المؤلف إنّ حافظ الأسد كان يجتمع حتّى مع الجبهة الصُوَريّة التي أنشأها وضمّت أحزاباً أخرى موالية للنظام، أو لنقُل مُزايدة في حبّ النظام.
يروي كيف أنّ تهديم تمثال لحافظ الأسد وتشويه صورة لبشار أثّرا على قراراته في التعامل مع المتظاهرين. أوكلَ إلى الشرع مهمّة لجنة الحوار مع معارضة مُنتَقاة بعناية ولكنّه لم يكن يثق بها أو بمسارها وأمرَ الإعلام بوقْف تغطيتها. هناك حُكّام استبداديّون لكنْ لديهم قدرة على التعامل مع الشعب.
هذا نظام مخابراتي صميم. يروي كيف أنّ بشار كان يرتاد مطاعم مع ضيوف غربيّين لإبهارهم بقُربه من الناس، فيما كان زبائن المطعم (رجالاً ونساءً) من موظّفي المخابرات. لم يكن يأمن على نفسه بين شعبه حتى في أوقات السِّلم.
والصراعات بين أهل النظام تظهَر في الكتاب: الشرع ضدّ خدام، والشرع ضدّ بثينة شعبان والعلاقة بين وليد المعلّم وبينه لم تكن مريحة، إلخ. لكن فاروق ابتعد عن النظام فقط عندما ابتعد النظام عنه. كان مستعدّاً أن يقوم بمهمات نيابة الرئاسة لو أنّ بشار قبلَ بمنحه صلاحيات وملفّات وميزانيّة.
لكنّ بشار لم يُرِد ذلك. فقرتان مهمّتان في الكتاب: اللّقاء بين رفيق الحريري وبشار والمحضر يدحضُ كلّ أكاذيب 14 آذار عن مضمون اللّقاء. رفيق الحريري كان في لبنان من أدوات النظام. والقسم الآخر عن مشروع السلام العربي: وكيف أنّ نصّه كان أميركيّاً وأنّ توماس فريدمان هو الذي نصّه (كتبتُ ذلك على مدوّنتي في حينه وأسميتُه مشروع فريدمان).
