على بالي

مِن شنائع النظام السياسي اللّبناني التمييز بين النقد البنّاء والهدّام. وعندما تُقحِم السلطة تمييزاً في أنواع النقد، فإنّها بذلك تعترف بفرْض رقابتها على حريّة التعبير.
حريّة التعبير الحقيقيّة لا تميّز بين أنواع، والحديث عن نقد بنّاء يعني النقد الذي يُفيد الحاكم. حرية التعبير هي حُكماً تلك التي تُزعج لا تلك التي تُرضي.
النقد البنّاء هو النقد الذي لا يحتاج إلى حماية لأنّه ينسجم مع مصلحة السُّلطة (هذه من نوع نقد دريد لحّام اللّطيف جدّاً لحُكم البعث والذي لم يزعج النظام بل أفاده لأنّه أوحى أنّ هناك حريّة تعبير في سوريا). جوزيف عون قال إنّه مع حريّة التعبير «شرط ألَّا تُستخدم في الإساءة». لكن: ما هو تعريف الإساءة؟
والحديث عن الموضوع مرتبط أيضاً بسجن رجل (أختلف معه في السياسة وفي طرائق التعبير) لأنّه كتب تعليقاً سخِر من زوجة رئيس الجمهوريّة. لكن: جماعة «الثورة» والتغيير في لبنان جعلوا من شتم أُمّ جبران باسيل فنّاً وتحوّلت الشتيمة السوقيّة البذيئة (والذكوريّة حُكماً) إلى شعار لثورتهم المظفّرة.
لم يتناصر أحد لحريّة تعبير الشخص المعني لأنّ اللّيبراليّين في لبنان لا يناصرون إلّا أنفسهم. هم مع حريّة التعبير لفريقهم فقط، وهم يتحمّسون لخنْق حريّة التعبير لخصومهم (الإعلامية نيكول حجل قرّعت وزير العدل قبل سنوات لأنّه لم يعاقب شخصاً على تغريدة).
يقول عون إنّ سقف الحريّة الإعلاميّة هو «الأمن الوطني». لكنّ العبارة فضفاضة وهي خاضعة للتسييس.
هل أنّ الرجل الذي كتب تعليقاً ساخراً (وذكوريّاً بنظري) أضرّ بالأمن القومي، ما استوجب سجنه وفرْض اعتذار عليه؟
ويضيف عون إنّه «لا يجوز» (ما هي صلاحية رئيس الجمهوريّة في تحديد ما يجوز وما لا يجوز؟ هذا يحتاج إلى تشريع لا إلى خُطب) تحوُّل الحريّة إلى «أداة للتحريض على رموز الدولة». ماذا تعني بالتحريض؟ السخرية؟ النقد؟ الهجاء؟
التحريض يتضمّن تهديداً، وهذا يخضع للقانون وبخاصّة إذا كان عُنفيّاً. لكنّ نقد «رموز الدولة» متاح بحسب الدستور. لا، ويختم رئيس الجمهوريّة برسم حدود أخرى لمنْع نقد «دول شقيقة وصديقة». الدول الأخرى بتستاهل؟
