على بالي

بعد آلاف من أعمال القصْف والتفجير والاحتلال والتوغّل في جنوب لبنان وخارجه، قرّرت حكومة لبنان الأبيّة تقديم شكوى إلى مجلس الأمن ضدّ إسرائيل بسبب قصْف أهداف مدنيّة في المصيلح. مئات الجرّافات والمعدّات التي ترتبط بإعادة الإعمار وعَودة الأهالي إلى بيوتهم في الجنوب تعرّضت للتدمير المُمَنهج. الحُكم في صمْته على القتْل والعدوان والاحتلال يصبح متواطئاً بما لا يقبل الشكّ.
لكنّ حميّة الحكومة استثيرت في قصْف المصيلح، إذ أوعز رئيس الحكومة إلى وزير الخارجيّة بتقديم شكوى إلى مجلس الأمن. وزير الخارجيّة (المنشغِل بالاحتلال والعدوان الإيراني على لبنان) أخذَ عِلماً بطلب الحكومة وأعلن أنّه سيفعل. مرّت أيام على ذلك، واتّضح أنّ الحُكم حنث بوعده ولم يتقدّم بشكوى على الإطلاق، ولم يطلب اجتماعاً عاجلاً لمجلس الأمن، وهذا من حقّه. اكتفى الحُكم مرَّتَين في السابق (قبل الإعلان الأخير) بالطلب إلى بعثة لبنان في الأمم المتحدة بتقديم شكوى فقط من دون الطلب إلى مجلس الأمن بالانعقاد.
وتقديم الشكوى من دون طلب الانعقاد يعني الهمس في البريّة. وهذه ثاني شكوى من الحُكم: الأُولى كانت في أكتوبر من العام الماضي والثانية من شباط من هذا العام.
ماذا يعني هذا بالنسبة لمصداقيّة الحُكم؟ يكذبون هكذا جهاراً على الشعب اللّبناني؟ وعندما يُعلنون النيّة ثم يتخلّفون، ألَا يعلمون أنّ الناس ستُدرك أنّ الضغط الأميركي فعل فِعله؟
عندما نعود إلى فترة عدوان إسرائيل في السبعينيّات (قبل ظهور حزب الله بسنوات) كان الحُكم يُعلن النيّة بتقديم شكوى إلى مجلس الأمن ثم يتخلّف.
وكان مجلس النواب يدعو الحكومة إلى الطلب من مجلس الأمن للانعقاد، وكان الحُكم يوافق ثم يمتنع. متى عُرف السبب بطُل العجب. نعلم اليوم من الوثائق الأميركيّة المُفرَج عنها في الأرشيف الرسمي أنّ السفارة الأميركيّة كانت تضغط على الحُكم من أجل عدم التجاوب مع طلب انعقاد مجلس الأمن، وكان الحُكم يستجيب كي لا تُحرَج أميركا، إذ إنّها تريد دائماً التقليل من استعمال الفيتو لحماية إسرائيل. الحُكم يرى أنْ لا المقاومة الديبلوماسيّة ولا العسكريّة تُجدي. الاستسلام فقط.
