على بالي

أحدثَ كتاب ريمون أرون، «أفيون المثقّفين» (والعدوان يسخر مِن عبارة «أفيون الشعوب» أميركا) ضجّة في حينه في تقريع مثقّفي اليسار لموقفهم من الحرب الباردة.
قد نكتشف يوماً أنّ حلف الأطلسي لم يكن بعيداً عن فكرة الكتاب والترويج لها في العالم (مثلما فعل الحلف في «دكتور جيفاكو»).
انتقدَ أرون (في نقده التعميمي) المثقّفين اليساريّين لتجاهلهم القمْع في المعسكر الاشتراكي وأنّهم دعموا الثورات بالمطلق (مع أنّ اليسار الفرنسي شملَ تيّارات عدّة وصدرت كتابات كثيرة ضدّ الاتّحاد السوفياتي والستالينيّة واختلفت الآراء حول الثورات).
لكنّ دفاع أرون عن المعسكر الغربي اعتمد على فكرة أنّ صلاح اللّيبرالية الديموقراطيّة الغربيّة تحمل في طيّاتها مكامن التصحيح والصلاح الذاتي. خطر لي ذلك وأنا أقرأ عن قرارات المحكمة العُليا في أميركا والتي تمنح الرئيس الأميركي المزيد من الصلاحيّات التي تتخطّى ما منحه الدستور. أيّ تصحيح ذاتي؟ اللّيبراليّة الغربيّة تنزع عنها القناع اللّيبرالي وتتّجه صعوداً (أو هبوطاً) نحو أنساق مختلفة من التسلّطيّة.
وانتخابات واحدة تحُول بين اللّيبراليّات الغربيّة وبين استيلاء أحزاب فاشيّة ونازيّة على السلطة بالطرائق الديموقراطيّة مثلما جرى في ألمانيا في العشرينيّات. فكرة الغرب السياسيّة شدّدت على أنّ الشكوى لا تفيد لأنّ في داخل النظُم الغربيّة بذور التصحيح والتقدّم. لكنّ دول الغرب تتّجه سويّة باتّجاه:
١) المزيد من العنصريّة المفضوحة ضدّ المهاجرين والمسلمين.
٢) نبْذ كلّ فِكر المساواة الجندريّة والعِرقيّة والعبور الجنساني.
٣) تقليص عطايا «دولة الرعاية» لأنّها باتت تفيد غير البِيض وغير المسيحيّين وغير اليهود.
٤) انضواء كلّ دول الغرب في حروب الناتو من دون استثناء. ها هي السويد (التي يقول دُعاة المجتمع المدني في بلادنا إنّها «غير شكل» وإنّها لا عُنفيّة وعليه لا يجب أن نقارنها بأميركا وألمانيا) تمنح ١٥٠ طائرة مقاتلة لأوكرانيا للتسبّب في المزيد من القتل.
5) لم تعُد حريّة التعبير هي الفيصل بين «الديموقراطيّة» والاشتراكيّة (خلال الحرب الباردة). إيمان دول الغرب بحريّة التعبير اضمحلّ لصالح إسرائيل. هذه الدول مستعدّة أن تقمع وتكمّ الأفواه للدفاع عن الإبادة في غزّة.
