على بالي

افتتاح المتحف المصري الكبير كان حدثاً كبيراً. فكرة المتحف قديمة، تعود إلى التسعينيّات. الفكرة خَبَت ثم تطوّرت إلى أن تمَّ الافتتاح. ومن الواضح أنّ هدفاً سياسيّاً وراء الفكرة. قرّرت الدولة مثلاً أنّ المعروض يتوقّف عند الحِقْبة اليونانيّة الرومانيّة. على طريقة الاستشراق الغربي: كلّ ما عدا ذلك لا يهم. محسن مهدي، أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة هارفرد، أخبرني أنّ علماء الآثار الغربيّين كانوا يدمّرون الطبقات العربيّة والإسلاميّة في الأرض كي يصلوا إلى المراحل القديمة.
الأب اليسوعي هنري لامنس، أوّل من خصّص كتاباً كاملاً عن آثار لبنان ضمن سياق فصل تاريخ لبنان عن محيطه العربي والإسلامي (يقول عن جامع مثلاً: «يوجد مسجد صغير في أطراف القرية. ذكرتُه فقط لأهمية الموقع دون تفاصيل معماريّة»). وفكرة المتحف الوطني في لبنان وُلدت في عهد الاستعمار الفرنسي: وشارك في تصميم المبنى مهندس فرنسي. كان جزءاً من خطّة تكوين فكرة وطنيّة لبنانيّة خالصة، منفصلة عن المحيط. لكنّ الصراع على تاريخ لبنان أضعفَ من أهميّة المتحف، مع أنّ دُعاة القوميّة اللّبنانيّة حاولوا في الأيام الماضية عقْد مقارنة بين الحضارة الفرعونيّة القديمة وتاريخ الفينيقيّين.
وحده سعيد عقل، وصَحبُه من غير المتخصّصين، خلقوا أسطورة الحضارة الفينيقيّة. الحضارة المصريّة كانت حضارة مركزيّة متقدّمة مع تخطيط زراعي. تركوا الأهرامات ومعابد ضخمة ومقابر ملكية ونقوشاً هيروغليفيّة وفنوناً متعدّدة. الفينيقيّون كانوا جزءاً من حِقْبة تجارية بحريّة متشرذمة، حيث كانت فيها المُدن مستقلّة. لم يكن لديهم ملوك أقوياء بالرغم مِن شِعر سعيد عقل ونَثْره في خلاف ذلك. الآثار الفينيقية عبارة عن توابيت حجريّة ومقابر مجسّمة صغيرة. الهندسة والمعمار والفن المُتقن تبدو بارزة في الآثار المصريّة.
المتحف المصري الجديد أبهر الجميع في العالم وعن بُعد، والمصريّون يتدافعون للدخول. نفقات بناء المتحف لم تكن مصريّة صرفة: قدّمت اليابان قروضاً وأسهمت الحكومة المصريّة بنحو النصف (الكلفة نحو مليار دولار). السيسي أراد للافتتاح أن يكون جزءاً من هويّة جديدة خاصّة بحِقْبة حُكمه، حيث تكون مصر بناء على تصوّر طه حسين في «مستقبل الثقافة في مصر».
