على بالي

المعني بالقضيّة الفلسطينيّة لا يمكن له أو لها إلّا وأن يفكّر مليّاً في دَور ثيودور هيرتزل التاريخي. لا شكَّ أنّ دوره كان محوريّاً، وهو لم يكن مفكّراً بقدر ما كان رجل علاقات عامّة وديبلوماسيّة.
ينفر الصهاينة اليوم من تهمة الاستعماريّة التي التصقت بالحركة الصهيونية، مع أنّ الحركة كانت واضحة في مقاصدها منذ الإعلان الأوَّل للحركة الصهيونيّة في بازل في سويسرا في ١٨٩٧ (بعد سنة واحدة مِن نشْر كتيّبه، «دولة اليهود»، ترجمة «الدولة اليهوديّة» عن العنوان الألماني هي ترجمة خاطئة ولاحقة لأنّ هيرتزل لم يتصوَّر دولة يهوديّة في هويّتها وعناصرها، وكان يقبل بالأرجنتين).
الرجل الذي أُطلق اسمه على شوارع وجادات في فلسطين المحتلّة والذي تحتلّ صوره وتماثيله أماكن الكيان، لم يطأ أرض فلسطين إلّا مرّة واحدة ولبضعة أيّام.
زارها في ١٨٩٨ للقاء الإمبراطور الألماني (التقاه مرّة واحدة فقط وليس مرتَين كما يرد في المراجع، لأنّ المرّة الأولى كانت عندما انتظره على الطريق كي يلقي التحيّة عليه).
هيرتزل كان عنصريّاً وباع المشروع كفرصة لـ»نكون قاعدة (استعماريّة) للحضارة ضدّ البربريّة». يجهد شلومو أفنيري في كتابه «رؤية هيرتزل: ثيودور هيرتزل وتأسيس دولة إسرائيل» لإسباغ صورة ليبراليّة على الرجل عبر الزعْم أنّه أراد مساواة مع العرب.
غير صحيح. لم يرد العرب في يوميّاته إلّا كقاذورات، حرفيّاً. وهو كان قد كتب في يوميّاته عن مشروعه مستشهداً بالمثل الفرنسي: «مَن يبغي الهدف يبغي الوسائل لتحقيقه».
أفنيري يشير إلى كتابه الثاني «الأرض الجديدة القديمة» (صدر في ١٩٠٢، قبل سنتَين من وفاته) وفيه يصوِّر العرب تحت حُكم الدولة اليهودية وهم سعداء مزدهرون (المُستعمِرون دائماً يستغربون كيف أنّ الشعوب الخاضعة للاستعمار لا تقدّر أو تثمِّن الاستعمار ولا تُسعَد به).
كان هيرتزل يدور في الدول الأوروبيّة لتحقيق المشروع ولم يكترث لحقوق العرب. الديبلوماسيّون الغربيّون هم الذين نبّهوه إلى رفْض العرب المحتّم. بعد اللّقاء الوجيز والفاشل مع الإمبراطور الألماني أخبره الألمان (حسب يوميّاته) «أنّ الغضب العربي سيُجهض المشروع». أن تكون أكثر استعماريّةً وعنصريّةً من الألمان: هذه هي الصهيونيّة.
