على بالي

كلّ إدارة باتت تنشر «استراتيجية أمن قومي» خاصّة بها. وهي تقع في نحو ٢٥ إلى ٣٠ صفحة وتضمّ كلام البروباغاندا المعهود على الطموح الأميركي للسيطرة على مقدّرات الكون، لكن بكلام معسول والحديث المستفيض عن الحريّة والديموقراطيّة. لكن إدارة ترامب ليست مثل غيرها.
قبل أيّام صدرت الاستراتيجية الخاصّة بالإدارة وهي لا تشبه سابقاتها في شيء. مثل خُطب ترامب، هي صريحة ولا توارب ولا تتحذلق. وفي عهد ترامب، كلّ شيء يرتبط باسمه.
عادة الاستراتيجية لا تذكر أسماء أو أحزاباً. في هذه، كلّها عنه وعن عبقريّته وقدرته على فرض السلام حول العالم: رجل سلام، بالقوّة المفرطة. القسم المتعلّق بالشرق الأوسط غريب بعض الشيء: فيه أقل نسبة من المديح لإسرائيل.
عادة، في هذا القسم، تجهد الإدارات في شرح أهميّة التحالف مع إسرائيل وعن قيمة إسرائيل والشراكة القيَميّة بينها وبين أميركا. هذه اختفت هذه المرّة. هناك حديث عن أنّ أميركا لن تفرض أنماط حُكم حول العالم.
الصحافة اللّيبرالية هنا ثارت: كيف لا تقوم أميركا بدعم الديموقراطية وحقوق الإنسان بعد اليوم؟ لكن هذه كذبة. أميركا دعمت فقط الديموقراطية وحقوق الإنسان في الدول التي تخالف مشيئتها.
وتوماس براك جاهر أمس أنّ أميركا تفضّل الملكيّات في بلادنا، وشكّك بنموذج إسرائيل أو بديموقراطيّتها. ترامب يريد عالَماً مُطيعاً. وفي القسم الأوروبي غابت أدبيات ما بعد الحرب العالمية الثانية، لا بل أعلن ترامب في الاستراتيجية عن دعْم اليمين المتطرّف ومحاربة الهجرة لغير البِيض ولغير المسيحيين وغير اليهود. عالَم جديد. تحدّثت الورقة عن القوة الناعمة، وبالاسم.
وهذه جديدة وبخاصّة عندما تصدر على لسان إدارة ترامب الذي لا يتّصف عادة بالنعومة. الصين وروسيا لا تبدوان كشاغل أو هوس إمبراطوري.
كلام عام على تقييد التجارة والتنافس الاقتصادي. هنا تدرك أنّ هذه الاستراتيجية هي الأقلّ تعبيراً عن الموقف الحقيقي للإمبراطورية-«الدولة العميقة». تذكرون تسريب المكالمة بين ستيف ويتكوف والمفاوض الروسي قبل أسبوع؟ هذه من حيَل وكالة الأمن القومي كي تحدّ من اهتمام ترامب بوقْف النار في أوكرانيا. الدولة العميقة تتمرّد.
