على بالي

بالرغم من عدائِه للصحافة، لم يسبقْ أن خضع رئيس لاستجواب الصحافة كما خضع ترامب ويخضع. أوباما كره المقابلات الصحافيّة، فيما ترامب يحبُّ أن يرى اسمه وصورته في الإعلام. المقابلة (الطويلة جدّاً) مع «نيويورك تايمز» استمرّت لأكثر من ساعتَين.
بدا خلالها في صحّة عقلية وجسديّة ممتازة لرجل يقترب من الثمانين. اللّافت في المقابلة هو أداء الفريق الصحافي التعيس: هذه فرصة لاستجواب رئيس البلاد لكنّ الفرصة فُوِّتت في أسئلة بعضُها سخيف وبعضُها الآخر نجح ترامب في التعامل الحذق معه عبر تغيير الموضوع وبسهولة فائقة.
المقابلة كانت مثل مقابلات مارسيل غانم مع الأثرياء من الساسة. في موضوع فنزويلا، تركوا ترامب يسترسل في التفاصيل والتكرار. هنا يظهر دور الإعلام في بلد ديموقراطي (نظريّاً): مَن قال إنّ الإعلاميّين يتهيّبون إجراء مقابلة مع الحاكم فقط في الأنظمة المعروفة بالديكتاتوريّة؟
ترامب في المقابلة استجدى الإطراء وناله على إنجازات (في نظره)، واستطاع بنجاح إقفال الحديث في مواضيع لا تهمّه. سألوه عن تعاطي الحزب الجمهوري مع معاداة السامية من دون أيّ سؤال عن الإبادة المستمرّة في غزّة.
سمحوا له بالتمجيد الذاتي: أنّه أكثر رئيس أفادَ إسرائيل (وهو على حقّ وإن كان أوباما وبايدن قريبَين جدّاً في المرتبة الشائنة). المقابلة أظهرت ترامب في موقع الحاكم الواثق بنفسه غير المكترث للمعارضة العالميّة أو الداخليّة.
لديه الحقّ في ذلك: أوروبا ليست إلّا أداة أميركيّة مُطيعة، والمعارضة الأميركيّة خائفة، واختار قادتها تجنّب المواجهة حتى إشعار آخر. والتقدميّون في البلاد غائبون عن الشوارع وحركة الحقوق المدنيّة اختارت موقفاً مخزياً منذ بدء حرب الإبادة. الصحافة علّقت دورها اللّيبرالي وبخاصّة أنّ رأس المال يشتري الإعلام مثلما نشتري الخضار والفواكه من الأسواق.
عمليّة شراء «سي. بي. أس» مؤشّر إلى الصِّلة بين البيت الأبيض وإدماج الإعلام السياسي. سألوه عن القانون الدولي فأجاب: «هذا يعتمد على تعريفك للقانون الدولي» (هذا مثل جواب بيل كلينتون عن سؤال حول أعماله الجنسيّة في البيت الأبيض عندما أجاب: «هذا يتوقّف على تعريفك للجنس»).
