على بالي

ليس في السياسة العربيّة أحقدُ مِن آل سعود. لم يغفروا لخصومهم ونقّادهم أبداً. لكنّ الحقد الأكبر عندهم مُوجَّه ضدّ جمال عبد الناصر. الرجل ماتَ قبل أكثر من خمسين سنة ولا يزال الإعلام العربي يزخر بهجاء وسخرية مِن عبد الناصر.
السبب معروف: هذا الرجل قضى على أحلام السعودية المبكرة في السيطرة على كلّ العالم العربي بالنيابة عن الاستعمار الغربي. والحُكم السعودي تعوّد على شراء التأييد من الكُتّاب والمثقّفين والسياسيّين والفقهاء. (تماماً على طريقة رفيق الحريري الذي تعلّمها منهم).
هذا هو الفارق بين عبد الناصر وحُكّام آل سعود: كلُّ مؤيّدي عبد الناصر أيّدوه بالمجّان، فيما كلُّ مؤيّدي آل سعود أيّدوهم مقابل مال أو وظيفة. ليس من استثناء لهذه القاعدة التي تُقبِّح سمعة آل سعود. عبد الناصر أثّر على الجمهور العربي إلى درجة أنّ أمراء من آل سعود انشقّوا عن عائلتهم وانضمّوا إلى حركته (عاد هؤلاء فيما بعد إلى السعودية وأنكروا ماضيهم، خصوصاً طلال بن عبد العزيز).
أذلّ عبد الناصر آل سعود بطريقة مباشرة وجعل منهم هدفاً لسخرية الجماهير العربيّة.
في الأسابيع الماضية، تسرّب شريط صوتي لعبد الناصر (وهو مقطّع وبعضه مفبرك-على ما قيل-لكنّ الأهم أنّه خارج سياق مواقف عبد الناصر السياسيّة). وتعامل الإعلام السعودي مع التسريب على أنّه فضيحة الفضائح وأنّه يعكس الصورة التي لدينا عن عبد الناصر. أبداً. بالعكس: كل ما ورد ينسجم مع السجلّ التاريخي. عبد الناصر كان في حينه يواجه حملات تشنيع من «البعث» العراقي ومن الفصائل الفلسطينيّة، خصوصاً حركة «فتح» التي خوّنت عبد الناصر.
نحن نعلم اليوم عن خلفيّة قبول عبد الناصر بمبادرة روجرز وهي مبادرة مفاوضات لا اتّفاقية سلام. وعبد الناصر كان دائماً يصارح الشعب العربي بحقيقة وضعنا العسكري في مواجهة إسرائيل. والسوفيات أبلغوا عبد الناصر في ١٩٦٨ أنّه يحتاج إلى خمس سنوات لبناء قوّاته العسكريّة. أين الفضيحة في ذلك؟ كان يردّ على المزايدين الكثر الذين أتعبوه. ثم ما القصد غير الترويج للساداتيّة؟ أنّ آل سعود مثّلوا نهج محاربة إسرائيل؟
