الخط
بين كومة من الدراجات والدواليب وعلب الشحم والصور وقصاصات الصحف المؤطرة والكؤوس، يجلس طارق أبو الذهب خلف مكتبه الصغير وكأنّه في إطاره. هو بطل سابق للدراجات الهوائيّة في لبنان، ضائع في أزقّة بيروت. تجده في محلّه لبيع وتصليح الدراجات الهوائيّة في منطقة الظريف، يجلس وكلّ مكوّنات حياته من حوله. ما إن تتعرّف عليه وعلى الدراجات، حتى تعرف أنّ الرجل لم يرتكب خيانات عظمى في حياته. بقامته القصيرة ويديه المنتفختين بين المعصم والكوع، هو «باباي، رجل الدراجات». الرجل السبعيني بدأ ممارسة هوايته صغيراً. ركب دراجة أخته إلى المدرسة قبل أن يلتحق أخوه الأكبر بنادي «القلب الأقدس». غير أنّه كان هو من استحوذ على انتباه رئيس النادي حينها جوزف غلام، فضمّه أيضاً إلى النادي ليصبح من بعدها «عرّابه»، لإيمانه بموهبته.
يتذكّر أبو الذهب جيداً أوّل سباق شارك فيه، «صيدا ـــــ بيروت»، ضدّ الساعة، حقّق فيه أبو الذهب رقماً قياسياً هو دقيقة و57 ثانية. كان ذلك عام 1956. في السنة التالية انتزع بطولة لبنان للدراجات الهوائيّة لأول مرّة، وتوالت السباقات والانتصارات فعاد وحقّق البطولة عام 1959، ثم 1966 و68 والسنوات الثلاث الأولى من السبعينيات.
الحماسة التي تجتاح الرجل بينما يتكلّم تجعله عاجزاً عن السيطرة على انفعالاته. فتدمع عيناه ويتوقّف عن الكلام تارة، ويبتسم فخراً، بينما ترتسم الذكريات في ذهنه تارة أخرى. الحزن سببه الاتحاد اللبناني للدراجات. «اتحاد الدراجات هو ككلّ الاتحادات الرياضيّة في لبنان: مجموعة من الإداريين لا يهتمّون بالرياضيين أو بتشجيعهم، بل كل ما يهمّهم هو الظهور في الإعلام» يقول. بدأ خلاف بين الدرّاج والاتحاد عندما قرّر أبو الذهب الخروج من لبنان ليشارك في سباق «مصر الدولي للدراجات» السنوي. لكن الاتحاد لم يكن يفكّر بإرسال فريق لبناني إلى السباق، يتألّف عادة من ستة درّاجين، بحجّة ضعف اللاعبين اللبنانيين دوماً. فكتب أبو الذهب رسالة إلى اتحاد الدراجات المصري يطلب فيها إشراكه في السباق. لم يفاجئ الجواب الدرّاج، بل كان كما توقّع: «لا يشترك في هذا السباق أفراد، بل فريق». قرّر الاتحاد اللبناني على أثرها معاقبته على رسالته هذه، بمنعه من المشاركة في السباقات المحلية. لكن أبو الذهب لم يكن ليتوقّف عن ممارسة «حياته» بهذه البساطة، فلجأ إلى فرنسا التي كان له فيها رصيد مهم، إذ كان قد لفت أنظار الفرنسيين في «ألعاب البحر الأبيض المتوسط» عام 1959، التي سلك فيها الدرّاجون طريق بيروت ـــــ الأرز، وحلّ سادساً خلف خمسة من الفريق الإسباني، ما أثار إعجاب الفرنسيين وطلبوا منه الالتحاق بهم. بعد إقصائه عن المشاركة في السباقات في لبنان، سافر أبو الذهب عام 1960 إلى باريس وبقي فيها خمس سنوات. هناك انضمّ إلى نادي VC12 واكتشف حياة الاحتراف. لكن الحياة هناك لم تكن سهلة أيضاً. إذ إنّ عائلته لم ترضَ تمويله بما أنّها كانت تريده أن يبقى إلى جانبها، فكان أن مدّ له جوزف غلام يد المساعدة مرّة ثانية وساعده على تخطي أزمته المالية، فيما أمّن له رئيس ناديه الفرنسي عملاً في مركز للبريد. لكن الكؤوس في محلّ أبو الذهب هي جائزته اللبنانية، أمّا السباقات الدوليّة فيقول أبو الذهب إنها لا تتوّج الدرّاج الفائز بكأس ذهبيّة، بل بمبلغ مالي.
في فرنسا، أوّل فوز سيلفت الأنظار إلى أبو الذهب هو سباق «إيفرو» في النورماندي، الذي حلّ فيه اللبناني أولاً، متغلباً فيه على أبطال فرنسا. يخبر أبو الذهب القصة ويسرع إلى صندوق في غرفة داخليّة من محلّه، يحضر قصاصات الصحف كشاهد على إنجازاته. في الصحف الفرنسية كتبوا عنه: «لبناني صغير يتحدّى عمالقة الطرقات» وفي «لوريان لو جور» اللبنانية كتبوا «طارق أبو الذهب، رياضة الدرّاجات تشرّف لبنان في فرنسا». لكن السباق الأحبّ إلى قلبه هو بدون شكّ «سباق السلام». مرة أخرى وجد الدرّاج نفسه يكتب إلى منظّمي السباق في ألمانيا كي يشارك وحيداً. هذه المرّة كان موقف الألمان مختلفاً عن الموقف المصري. «عندما دخلت وحيداً مع العلم اللبناني، نلت القسط الأوفر من التصفيق. كل الدول الباقية كانت تمثّلها فرق، وأنا كنت وحيداً أمثّل بلدي». ما فعله أبو الذهب كان سابقة، إذ لم يحدث أن شارك فرد وحده في مسابقات مماثلة. هو لم يعرف الأسباب الحقيقية خلف موافقة الألمان، لكنه اكتشف هناك متعة وأهميّة الاهتمام الإعلامي بهذه الرياضة.
بعد عودته إلى لبنان، لم يتقبّله الاتحاد هذه المرّة لأسباب أخرى، إذ أصبح محترفاً! ينتفض أبو الذهب ويقول: «لم أر أسوأ من ذلك في حياتي. لم يريدوني أن أشارك في السباقات، بحجّة أنني أقوى من اللبنانيين الباقين! أليس من المفترض أن يتنافسوا مع من هو أقوى منهم كي يتقدّم مستواهم؟ عدم الاحتكاك بالدرّاجين الأجانب هو ما حال دون رفع مستوى الدرّاجين اللبنانيين». لكن مرّة أخرى، كان جوزف غلام هنا أيضاً ليساند أبو الذهب. فساعده على افتتاح محلّ الدراجات الهوائيّة الخاص به. تصليح الدراجات ليس صعباً أبداً بالنسبة إليه. فهو منذ صغره يصلح دراجته، كما أنّه في باريس كان يراقب العملية في النادي الذي انضمّ إليه. على أحد الجدران علّق دراجته الأولى التي أعطاه إياها نادي VC12 عام 1961. ينظر أبو الذهب إلى الدراجة الزرقاء، ماركة جيتان، طويلاً. لا يزال رقمه في آخر سباق شارك فيه معلّقاً عليها: 43. يتمنى لو أنّه تركها معلّقة على حالها ولم يغيّر إطاراتها القديمة التي تقلّصت، لكنه لا يستطيع أن يتركها على حالها من دون اهتمام. على الطرقات هو يركب درّاجة «بيجو» مختلفة، تحمل الرقم 36710. قديمة هي الأخرى، لكن ليس بقدم الجيتان. ربما هي الوحيدة اليوم في شوارع بيروت التي تحمل لوحة، بما أنه قبل الحرب الأهليّة، يقول أبو الذهب، كانت الدراجات الهوائيّة تحمل لوحة برقم، تماماً كما السيارات. اليوم ورغم تقدّمه في السنّ، لا يريد الرجل أن يترجّل من على دراجته. لا زال يتمرّن يومياً ويشارك في آذار من كل عام في سباق تنظّمه شركة درّاجات، هو وكيلها في لبنان. يشارك اليوم في فئة ما فوق الـ 65 عاماً، أي أنّه اليومsuper gentelman B. فئة غير موجودة في السباقات اللبنانيّة، بما أنّ الاهتمام لم يجد طريقه إلى اللعبة بعد.
الفرنجي برنجي
شارك طارق أبو الذهب مرتين في الألعاب الأولمبيّة، عام 1968 في مكسيكو وعام 1972 في ميونيخ، بعدما سجّل جوزف غلام اسمه فيها. لكنه لم يحقق نتائج تذكر بما أنّه فقد الكثير من لياقته بعد العودة إلى لبنان. يأسف لعدم اهتمام الاتحاد اللبناني للدراجات بتسجيله في هذه الألعاب في وقت أبكر. لكنه يضيف إنّ الاتحاد رفض حتى طرح فكرة تدريبه الدرّاجين بما أنّ عقلية اللبناني تفضّل «الفرنجي برنجي».
يتذكّر أبو الذهب جيداً أوّل سباق شارك فيه، «صيدا ـــــ بيروت»، ضدّ الساعة، حقّق فيه أبو الذهب رقماً قياسياً هو دقيقة و57 ثانية. كان ذلك عام 1956. في السنة التالية انتزع بطولة لبنان للدراجات الهوائيّة لأول مرّة، وتوالت السباقات والانتصارات فعاد وحقّق البطولة عام 1959، ثم 1966 و68 والسنوات الثلاث الأولى من السبعينيات.
الحماسة التي تجتاح الرجل بينما يتكلّم تجعله عاجزاً عن السيطرة على انفعالاته. فتدمع عيناه ويتوقّف عن الكلام تارة، ويبتسم فخراً، بينما ترتسم الذكريات في ذهنه تارة أخرى. الحزن سببه الاتحاد اللبناني للدراجات. «اتحاد الدراجات هو ككلّ الاتحادات الرياضيّة في لبنان: مجموعة من الإداريين لا يهتمّون بالرياضيين أو بتشجيعهم، بل كل ما يهمّهم هو الظهور في الإعلام» يقول. بدأ خلاف بين الدرّاج والاتحاد عندما قرّر أبو الذهب الخروج من لبنان ليشارك في سباق «مصر الدولي للدراجات» السنوي. لكن الاتحاد لم يكن يفكّر بإرسال فريق لبناني إلى السباق، يتألّف عادة من ستة درّاجين، بحجّة ضعف اللاعبين اللبنانيين دوماً. فكتب أبو الذهب رسالة إلى اتحاد الدراجات المصري يطلب فيها إشراكه في السباق. لم يفاجئ الجواب الدرّاج، بل كان كما توقّع: «لا يشترك في هذا السباق أفراد، بل فريق». قرّر الاتحاد اللبناني على أثرها معاقبته على رسالته هذه، بمنعه من المشاركة في السباقات المحلية. لكن أبو الذهب لم يكن ليتوقّف عن ممارسة «حياته» بهذه البساطة، فلجأ إلى فرنسا التي كان له فيها رصيد مهم، إذ كان قد لفت أنظار الفرنسيين في «ألعاب البحر الأبيض المتوسط» عام 1959، التي سلك فيها الدرّاجون طريق بيروت ـــــ الأرز، وحلّ سادساً خلف خمسة من الفريق الإسباني، ما أثار إعجاب الفرنسيين وطلبوا منه الالتحاق بهم. بعد إقصائه عن المشاركة في السباقات في لبنان، سافر أبو الذهب عام 1960 إلى باريس وبقي فيها خمس سنوات. هناك انضمّ إلى نادي VC12 واكتشف حياة الاحتراف. لكن الحياة هناك لم تكن سهلة أيضاً. إذ إنّ عائلته لم ترضَ تمويله بما أنّها كانت تريده أن يبقى إلى جانبها، فكان أن مدّ له جوزف غلام يد المساعدة مرّة ثانية وساعده على تخطي أزمته المالية، فيما أمّن له رئيس ناديه الفرنسي عملاً في مركز للبريد. لكن الكؤوس في محلّ أبو الذهب هي جائزته اللبنانية، أمّا السباقات الدوليّة فيقول أبو الذهب إنها لا تتوّج الدرّاج الفائز بكأس ذهبيّة، بل بمبلغ مالي.
في فرنسا، أوّل فوز سيلفت الأنظار إلى أبو الذهب هو سباق «إيفرو» في النورماندي، الذي حلّ فيه اللبناني أولاً، متغلباً فيه على أبطال فرنسا. يخبر أبو الذهب القصة ويسرع إلى صندوق في غرفة داخليّة من محلّه، يحضر قصاصات الصحف كشاهد على إنجازاته. في الصحف الفرنسية كتبوا عنه: «لبناني صغير يتحدّى عمالقة الطرقات» وفي «لوريان لو جور» اللبنانية كتبوا «طارق أبو الذهب، رياضة الدرّاجات تشرّف لبنان في فرنسا». لكن السباق الأحبّ إلى قلبه هو بدون شكّ «سباق السلام». مرة أخرى وجد الدرّاج نفسه يكتب إلى منظّمي السباق في ألمانيا كي يشارك وحيداً. هذه المرّة كان موقف الألمان مختلفاً عن الموقف المصري. «عندما دخلت وحيداً مع العلم اللبناني، نلت القسط الأوفر من التصفيق. كل الدول الباقية كانت تمثّلها فرق، وأنا كنت وحيداً أمثّل بلدي». ما فعله أبو الذهب كان سابقة، إذ لم يحدث أن شارك فرد وحده في مسابقات مماثلة. هو لم يعرف الأسباب الحقيقية خلف موافقة الألمان، لكنه اكتشف هناك متعة وأهميّة الاهتمام الإعلامي بهذه الرياضة.
بعد عودته إلى لبنان، لم يتقبّله الاتحاد هذه المرّة لأسباب أخرى، إذ أصبح محترفاً! ينتفض أبو الذهب ويقول: «لم أر أسوأ من ذلك في حياتي. لم يريدوني أن أشارك في السباقات، بحجّة أنني أقوى من اللبنانيين الباقين! أليس من المفترض أن يتنافسوا مع من هو أقوى منهم كي يتقدّم مستواهم؟ عدم الاحتكاك بالدرّاجين الأجانب هو ما حال دون رفع مستوى الدرّاجين اللبنانيين». لكن مرّة أخرى، كان جوزف غلام هنا أيضاً ليساند أبو الذهب. فساعده على افتتاح محلّ الدراجات الهوائيّة الخاص به. تصليح الدراجات ليس صعباً أبداً بالنسبة إليه. فهو منذ صغره يصلح دراجته، كما أنّه في باريس كان يراقب العملية في النادي الذي انضمّ إليه. على أحد الجدران علّق دراجته الأولى التي أعطاه إياها نادي VC12 عام 1961. ينظر أبو الذهب إلى الدراجة الزرقاء، ماركة جيتان، طويلاً. لا يزال رقمه في آخر سباق شارك فيه معلّقاً عليها: 43. يتمنى لو أنّه تركها معلّقة على حالها ولم يغيّر إطاراتها القديمة التي تقلّصت، لكنه لا يستطيع أن يتركها على حالها من دون اهتمام. على الطرقات هو يركب درّاجة «بيجو» مختلفة، تحمل الرقم 36710. قديمة هي الأخرى، لكن ليس بقدم الجيتان. ربما هي الوحيدة اليوم في شوارع بيروت التي تحمل لوحة، بما أنه قبل الحرب الأهليّة، يقول أبو الذهب، كانت الدراجات الهوائيّة تحمل لوحة برقم، تماماً كما السيارات. اليوم ورغم تقدّمه في السنّ، لا يريد الرجل أن يترجّل من على دراجته. لا زال يتمرّن يومياً ويشارك في آذار من كل عام في سباق تنظّمه شركة درّاجات، هو وكيلها في لبنان. يشارك اليوم في فئة ما فوق الـ 65 عاماً، أي أنّه اليومsuper gentelman B. فئة غير موجودة في السباقات اللبنانيّة، بما أنّ الاهتمام لم يجد طريقه إلى اللعبة بعد.
الفرنجي برنجي
شارك طارق أبو الذهب مرتين في الألعاب الأولمبيّة، عام 1968 في مكسيكو وعام 1972 في ميونيخ، بعدما سجّل جوزف غلام اسمه فيها. لكنه لم يحقق نتائج تذكر بما أنّه فقد الكثير من لياقته بعد العودة إلى لبنان. يأسف لعدم اهتمام الاتحاد اللبناني للدراجات بتسجيله في هذه الألعاب في وقت أبكر. لكنه يضيف إنّ الاتحاد رفض حتى طرح فكرة تدريبه الدرّاجين بما أنّ عقلية اللبناني تفضّل «الفرنجي برنجي».

