أكثر من أربعة أشهر مضت على إعلان شركة «نيوز جيوسوليوشنز» إنجازها دراسة «نيو بايزن» حول أماكن وجود النفط في لبنان، والتي أظهرت أدلة مهمة على وجود مخزون نفطي في مناطق محددة ضمن نطاق المسح، إضافة الى دعوة وزارة الطاقة الشركات الصغرى والمتوسطة للتقدم بعروضها. كما مضى أكثر من شهرين على زيارة نائب وزير الخارجية الأميركية لشؤون الطاقة آموس هوشتاين للبنان، والتي أراد من خلالها إعادة تحريك هذا الملف. رغم ذلك، تتلهى الحكومة بالزبالة، مسقطة من جدول أعمالها ملفاً يشكل الأمل الوحيد في زمن السوداوية الاقتصادية.


هل المقصود حرف نظر اللبنانيين عن ثروتهم النفطية؟ ولماذا لا تبدأ عمليات التنقيب براً في انتظار معجزة تزيل خطر الانقسام الداخلي حول تقسيم البلوكات البحرية؟
لم يلق هذا المشروع الذي يعتبر خشبة خلاص للاقتصاد المتعثر آذاناً صاغية من الدولة، بل يستمر الإهمال المتمادي منذ خمسين عاماً لملف التنقيب عن البترول في البرّ اللبناني. هذا المشروع الذي أتى لاستكمال الصورة الجيولوجية لمساحة تُقارب 6000 كلم2 مؤلفة من حوالى 4500 كلم2 فوق الجزء الشمالي من البرّ اللبناني والمنطقة البحرية المتاخمة للشاطئ بمساحة 1500 كلم2، مستخدماً أحدث التقنيات والبرمجيات، لا يزال ينتظر «الفرج». وبحسب شركة «نيوز جيوسوليوشنز»، تشير الأدلة الى «وجود النفط في لبنان براً وبحراً»، لذلك فالسؤال المطروح: أين أصبح ملف التنقيب عن النفط في البر اللبناني؟ ولماذا كل هذا التأخير في ملف يدرّ ذهباً؟
الجمود في التنقيب عن النفط براً لأكثر من 50 سنة، والتطوّر التكنولوجي لتقنيات الاستكشاف بما فيها المسوحات الزلزالية الثنائية والثلاثية الأبعاد جعل التقدّم في التنقيب البحري أسرع منه في البرّ، أما بعد استكمال هذا المشروع فبات من الممكن القول إنّ مرحلة التنقيب عن البترول في البرّ يمكن أن تنطلق بشكل سريع من خلال استخدام تقنيات حديثة، عالية الجودة ومتعددة المقاييس إذا ما وجدت النية الحقيقية لدى المعنيين.
يمكن لكلفة التنقيب والتطوير في البرّ كما هو معلوم أن تكون أقل من خُمس (5/1) الكلفة بحراً، ما يمكن أن يجذب شركات متوسطة الحجم، الأمر غير المتوفّر بحراً بسبب الأكلاف العالية. هذا الأمر يؤدي الى زيادة التنافس بين الشركات، ما يُعطي الدولة قدرة تفاوضية أعلى تؤدي الى تعظيم المنفعة، فضلاً عن سهولة مشاركة الدولة في الأنشطة البترولية براً بسبب الكلفة المتدنية مقارنة مع البحر.
وعلمت «الأخبار» أن عدد الشركات المهتمة الأجنبية واللبنانية كبير، إلا أن أياً منها لم يتقدم بعرض حتى الساعة بسبب الخوف من الأوضاع الراهنة وعدم الثقة بالدولة اللبنانية التي لا تقدم لها أي حوافز مشجعة.
في هذا الصدد، تؤكد أورور فغالي، المديرة العامة لـ»النفط» أن «عملية التنقيب عن النفط يمكن أن تبدأ في وقت قريب، بما أن العوائق التي تؤخر العمل بحراً غير موجودة، كما أن قانون البر أصلاً موجود بالرغم من الحاجة الملحة لإجراء بعض التعديلات عليه». وتضيف «إن المعلومات التي بتنا نملكها تعطي دلالات كثيرة، لكننا لا نزال في حاجة الى المزيد من الاكتشافات، لذلك يتوقع أن يفوق عدد الشركات المهتمة بالبر عدد المهتمين بالبحر بما أن الكلفة أقل، فضلاً عن عدم وجود مشكلة حدود مع دول أخرى».
من جهتها، تقول المحامية والناشطة في قطاع النفط والغاز كريستينا نصرالله «إن القوانين الموجودة تعود الى فترة الانتداب الفرنسي، وبالطبع هي ليست عصرية وتغفل أموراً كثيرة. هناك مشروع قانون للتنقيب البري موجود لدى اللجان المختصة. فإما أن يتم الإفراج عن القانون الجديد وإما أن يعتمد القانون القديم مع إجراء بعض التعديلات عليه وخاصة في ما يتعلق بتنظيم عمل الشركات، إضافة الى مسألة الاستملاك». وتتابع «إن التجارب العالمية تشجع الشركات الصغرى والمتوسطة، ومن المفترض أن يحذو لبنان حذو الدول الأخرى التي تتمتع بخبرات عالية في إدارة مجال النفط والغاز، وألا يسمح للشركات الكبرى بأن تنفرد بهذا القطاع وتبتلع بالتالي غيرها من الشركات الصغرى».
في المجمل، يبدأ المسار الطبيعي للتنقيب عن البترول في الأماكن الأقل كلفة ومجهوداً، والتي هي حالة البرّ في معظم الدول التي تخوض غِمار هذه الصناعة. وتشجع غالبية الدول، ولا سيما الأوروبية منها، الشركات الصغرى لتدفع بها نحو مستويات أفضل. فمتى سيستفيق المسؤولون من سباتهم المؤذي؟