ليس خافياً أن قطاع المقالع والكسّارات لطالما شكل «مزراب دهب» للقوى السياسية و«مقاطعجيي» المناطق، وان حالة من التواطؤ الضمني لطالما سادت بين المستثمرين - على انواعهم وتنوّع اتجاهاتهم - وبين وزارة البيئة التي يفترض أن تنظّمهم، ووزارة الداخلية التي يفترض أن تراقبهم... ما حال - عمداً - دون هذين التنظيم والمراقبة، لجني ارباح طائلة على حساب الطبيعة وخزينة الدولة التي حُرمت من عائدات ضخمة. اليوم، تطرح وزارة البيئة تعديلاً للمخطط التوجيهي لا يبتعد عن المحاصصة المعتادة، فيما تكشّر القوى السياسية عن أنيابها دفاعاً عن حصصها في هذا القطاع الذي «يبيض» ذهباً، ما يجعل كل حديث يجري عن التنظيم أشبه بـ«طبخة بحص»!

بعدما قدّم ما سمّاه «السياسة المقترحة للادارة المتكاملة لقطاع محافر الرمل والاتربة والمقالع والكسارات» التي وافق عليها مجلس الوزراء (راجع «الأخبار»، 21/3/2019)، عاد وزير البيئة فادي جريصاتي ورفع، في 29/5/2019، ما سماه «مشروع تعديل المخطط التوجيهي للمقالع والكسارات: المنهجية والنتائج الاولية»، لمناقشته في لجنة وزارية برئاسة رئيس الحكومة سعد الحريري (عقدت اجتماعاً لهذا الغرض أول من امس).

تجنب الاستراتيجيات
مرّة جديدة، تتجنّب وزارة البيئة استخدام تعبير «استراتيجية» لادارة هذا القطاع، بعدما استبعدتها تاريخياً، وعملت دائماً على تعديل المخططات التوجيهية، غبّ الطلب، لتأمين غنائم القوى السياسية المتحاصصة. وقد أدار هذه العملية، تاريخياً، غالبية من تعاقبوا على الوزارة، إما مباشرة أو بالتعاون مع المدير العام او بترك الأمور للمدير العام وحده، مع فريق طيّع يعمل وفق طلب المستثمرين (لا سيما الكبار منهم)، بالتكافل والتضامن مع وزارة الداخلية التي لطالما ابتدعت وسائل احتيال على القوانين، تحت مسمّيات متعددة كـ«المهل الادارية» و«التراخيص المؤقتة» (استصلاح اراض، نقل ستوكات، نقل ناتج الى مستودعات، مغاسل رمول، مجابل باطون، مجابل زفت، مناشر صخور، استثمار محافر رمل صناعي، فقاشات، شق طرق، رخص بناء، انشاء برك جبلية…). حتى بات هذا القطاع، بمجمله، يعمل من دون تراخيص من المجلس الوطني للمقالع، ناهيك عن تعدد المراجع التي تمنح الأذونات (الداخلية والبيئة والمحافظون والبلديات…).
اليوم، بعدما ردت وزيرة الداخلية والبلديات ريا الحسن، فور تسلمها هذه الحقيبة، كل طلبات التراخيص والمهل الى وزير البيئة، لتأخذ مسارها القانوني، هل حان وقت «التنظيم»؟ المؤشرات، من خلال المشروع المقدم لتعديل المخطط التوجيهي، لا تشير الى ذلك بعد!

معطيات مضخمة
يفترض أن تبنى اي استراتيجية او سياسة لإدارة القطاع على معطيات ومعلومات دقيقة. فيما تؤكد مصادر «الأخبار» أن المعلومات المرجعية التي يدور نقاش اللجنة الوزارية على اساسها، غير كافية، «لا بل يمكن أن تكون مضللة». على سبيل المثال، تفيد هذه المعطيات بأن في لبنان 1330 مقلعا بمساحة اجمالية تقدر بـ52,6 كلم مربّع، لكنها لا تحدد الحجم الإجمالي بالمتر المكعب. كما تقدر الحاجة السنوية لما ينتجه هذا القطاع بثلاثة ملايين متر مكعب من الرمل وسبعة ملايين متر مكعب من البحص و5.5 ملايين متر مكعب من الصخر، اي ما يوازي حوالي 3000 شاحنة بسعة 20 متر مكعب يومياً.

المؤشرات التي يحملها المشروع المقدم لتعديل المخطط التوجيهي لا تشير الى نية لتنظيم نهائي للقطاع


لا تميز هذه المعطيات بين مقالع عاملة وأخرى متوقفة عن العمل. ولا تستند الى دراسات ومسوحات لوزارتي الداخلية والبيئة… ولا حتى الى ورقة السياسات التي رفعتها الأخيرة الى الحكومة وأشارت فيها الى وجود 1278 مقلعا، ولفتت فيها بوضوح الى صعوبة التأكد من الأرقام، خصوصا أن أكثر من 95% من عمل هذا القطاع غير مرخص، فيما «المرخص» منها يخالف أبسط الشروط! كما لا توضح كيف تم تحديد الحاجة لما ينتجه هذا القطاع. إذ يؤكّد المهندس الاستشاري راشد سركيس، الذي أعد دراسة حول الموضوع، أن سجلات نقابة المهندسين تؤكد تراجع عدد أمتار البناء من نحو عشرة ملايين متر مربع عام 2015 الى نحو سبعة ملايين متر مربع عام 2018. وأوضح: «اذا احتسبنا معدل الحاجة الحالية التي تصل الى 8 ملايين متر مربع، يمكن تقدير الاستهلاك بما يقارب 6.5 ملايين متر مكعب من الباطون وستة مليون متر مكعب من البحص تتوزع على مدار السنة (300 يوم) بمعدل ألف نقلة، وثلاثة ملايين متر مكعب من الرمل (500 نقلة/سنة)». وسأل: «هل تحتاج المشاريع العامة التي تقدّر بـ 160 كيلومتراً، اي حوالي مليوني متر مربع، الى مليون متر مكعب من البحص والصخور (160 شاحنة/يوم)؟». علماً أن مصادر مجابل الباطون الجاهز تؤكد أن عام 2018 شهد انخفاضا حادا في الطلب على الباطون قارب 50%، ما يعني أن المواد المطلوبة لتغطية حاجات السوق لن تزيد على الفي شاحنة يوميا! فمن أين جاءت الأرقام المضخمة حول «الحاجات السنوية»؟
التدقيق في أرقام الطلب على مواد البناء، على أنواعها، يعتبر مهماً لوضع أي مخطط أو استراتيجية لإدارة هذا القطاع المدمر على كل المستويات، خصوصا اذا ما كان هناك من توجه لضبط الطلب والتفكير في بدائل، مثل اعادة تدوير مخلفات الأبنية المهدمة، او فرض ضريبة على الشقق الفارغة تشجيعا للبيع والايجار ومنع المضاربات على حساب الطبيعة، واعادة النظر بكثير من المشاريع الضخمة كانشاء السدود السطحية، ووضع خطة للنقل العام بدل التوسيع الدائم للانفاق والطرقات... لا أن يتم اللجوء الى تضخيم الأرقام لتبرير الحاجة الى استثمارات كبيرة، واستثناءات لمصلحة كبار المستثمرين والمتعهدين الذين يمسكون بالمشاريع العامة.
اما المؤشر الثاني الذي لا يوحي بالثقة بأننا على الطريق الصحيح للتنظيم، فهو أن المقترحات المقدمة لتعديل المخطط التوجيهي ليست مدرجة ضمن خطة استراتيجية ومشروع قانون ينظم هذا القطاع لمرة نهائية، بدل الاعتماد على مراسيم تنظيمية طالما كانت استنسابية.

من يعالج التشويه؟
يقدر مشروع تعديل المخطط التوجيهي كلفة تأهيل المساحات التي شوّهتها المقالع والكسارات بـ3,7 مليارات دولار (70 دولاراً للمتر المربع)، وكلفة التدهور البيئي بـ610 ملايين دولار في السنة (1.1% من الناتج المحلي العام). إلا أن وزارة البيئة لا تشير الى مصدر هذه الأرقام، خصوصا المحدثة منها، ولا كيف ستعالج هذه التشوهات وعلى حساب من، وما اذا كانت تحضّرت للادعاء على المسؤولين عن كل ذلك. مع العلم أن الوزارة نفّذت، بين آذار 2005 وآب 2007، مشروعاً لإعادة تأهيل مواقع المقالع تحت اسم (ABQUAR) بتمويل مشترك بينها وبين الاتحاد الأوروبي (نحو 463 ألف يورو)، بهدف التخفيف أو إزالة الآثار البيئية والاجتماعية - الاقتصادية الناتجة عن عدم تأهيل مواقع المقالع، وتخفيف تأثير العوائق القانونية والإدارية والتقنية أمام عملية التأهيل، من خلال تحديد تلك العوائق أولا، وتحديد الإجراءات اللازمة لتخطيها سواء كانت ذات طبيعة قانونية أو إدارية أو تقنية أو مالية. ولم يفتح احد تحقيقاً في مصير هذا المشروع.

تعديل المخطط
في التعديلات المقترحة على المخطط التوجيهي والمعايير والابعاد تختلف التوجهات التي تقترحها وزارة البيئة. ففيما لا تحدّد مناطق معينة لمقالع الحجر التزييني والبازلت والبحص المفتت طبيعيا، مع الاكتفاء بشروط الابعاد، تعمد الى تحديد ثلاث مناطق لاستخراج الرمل (حوالي 2,34 كلم مربع فقط)، خصوصا في منطقة بريتال، ومناطق في محافظة بعلبك - الهرمل للرمل الاصطناعي، مع فتح باب الاستيراد كليا. وتحدّد 27 منطقة للبحص (حوالي 400 كلم مربع)، لاسيما في السفح الشرقي للسلسلة الغربية (بوداي، مزرعة بيت مشيك، حدث بعلبك، طاريا، شمسطار، سلوقي بدنايل) والسفح الغربي للسلسلة الشرقية (القاع، رأس بعلبك، الفاكهة، عرسال، اللبوة، يونين، نحلة، عمشكي، عين بورضاي، شادورة، الطيبة، بريتال، حور تعلا، حام، خريبة بعلبك، عين الجوزة، والطفيل) بالاضافة الى مجدل عنجر وقوسايا والصويري.
وعلمت «الأخبار» أن النقاش كان حامياً داخل اللجنة الوزارية (التي يرأسها رئيس الحكومة وتضم نائبه ووزراء البيئة والداخلية والأشغال والتربية). وتذرّع بعض أعضاء اللجنة بـ«الانعكاسات السلبية» لحصر الاستثمار في السلسلة الشرقية، والمتمثلة بزيادة أسعار مواد البناء بسبب زيادة كلفة النقل، والتأثير السلبي لحركة الشاحنات على حركة النقل والطرقات. علماً أن الزيادة التي قد تحصل في كلفة البناء من جراء زيادة بدل النقل لن تزيد على 225 دولاراً في سعر شقة مساحتها 200 م2 و900 دولار لتأهيل طريق بطول كيلومتر واحد، بحسب أرقام وزارة البيئة!
وبحجة تلبية حاجات الدولة من مواد البناء للمشاريع الكبرى لا سيما المدرجة ضمن «سيدر»، طالب هؤلاء باستثناءات في المخطط التوجيهي، واقترحوا مناطق أنصار (النبطية) لاستخراج الصخور (والبحص) وبعاصير (الجية) وكفرحبو (الضنية) ومشمش (عكار). علماً أن هذه المواقع كناية عن محاصصة واضحة بين القوى السياسية المسيطرة في هذه المناطق! ومع اقتراب انتهاء مهلة تمديد عمل المقالع في اليومين المقبلين، لا سيما تلك المرتبطة بشركات الاسمنت، طلب أعضاء في اللجنة أيضاً بتمديد هذه المهل بين ثلاث وخمس سنوات. كما طُرح اقتراح عدم تحديد اماكن والاكتفاء بمعايير الإبعاد للاستثمار استنادا الى مرسوم رقم 2366/2009 الذي اعتبر أن الاستثمار غير ممكن في المناطق المدينية وقمم الجبال والمحميات والمناطق الأثرية والمنتزهات وفي المناطق الريفية الحرجية، وفرض الابتعاد 500 متر عن الأنهر والمناطق الآهلة والحدود الدولية… وغيرها من المعايير التفصيلية (13 معياراً في المرسوم و20 بموجب قرارات وزارية).
وفيما اقترح وزير البيئة استيراد مادة الكلينكر، مما يعني امكان اقفال المقالع المرتبطة بالشركات وافرانها، وإعادة تسعير الترابة مع زيادة الضريبة عليها، فإن احدا لم يتبنّ هذا الاقتراح لوقف حماية هذه الصناعة المصنّفة «وطنية» لناحية اضرارها وليس لناحية عائداتها!
وفيما يشير هذه النقاش الى صعوبة الاتفاق على مخطط توجيهي فني وشامل لا يتم خرقه كالمعتاد. إلا أن اللافت أن أحداً لم يتطرق الى الخسائر التي تتكبدها خزينة الدولة جراء عدم تنظيم الكسارات، إن لناحية تشويه الطبيعة والقضاء على التنوع البيولوجي وتلويث المياه الجوفية، او لناحية خسارة الرسوم التي لا يدفعها العاملون في هذا القطاع. مع العلم أن اقتراح حصر الاستثمار في أملاك مصرف لبنان في الطفيل (ملايين الامتار) وفي أملاك الدولة (29 الف عقار في منطقة البقاع فقط)، يزيد من امكانية استفادة الخزينة العامة من تأجير الأراضي للمستثمرين واستيفاء الرسوم على الامتار المربعة للاستثمار وعلى الأمتار المكعبة للاستخراج، إضافة الى دفع الكفالات لحسن الاستثمار... أضف الى ذلك ما لحصر الاستثمارات في اماكن محددة من فوائد تسهيل الرقابة على عمل القطاع والالتزام بالشروط البيئية، لاسيما التجليل والتتريب وإعادة التأهيل والتحريج.