بري «يزيّت» ماكينة الوساطة لإنقــاذ الحكومة

حسن عليق
حسن عليق
الإثنين 28 تشرين الثاني 2011
الخط
لا تزال ساحة شركاء الحكومة المترنّحة خالية من الوسطاء. لا أحد تقدم بعد لملء الفراغ. لكن رئيس مجلس النواب نبيه بري، «زيّت ماكيناته» وينتظر عودة الرئيس نجيب ميقاتي والنائب وليد جنبلاط ليطلق حملة مشاورات تهدف إلى أمر واحد: إبقاء الحكومة على قيد الحياة. وبحسب مسؤول بارز، التقى بري أمس، فإن رئيس مجلس النواب لا يتوقع سقوط الحكومة قريباً، قائلاً: ثمة عشرات الحلول التي يمكن طرحها. وترى مصادر مقربة من بري أنه سيطرح على حلفائه وعلى شركاء الحكومة خلال الأيام المقبلة ضرورة دراسة وقائع المرحلة الحالية بدقة، ووضع السيناريوات المحتملة التي تحفظ الحكومة، واحتمالات ما بعد سقوطها. وينبغي أن يُتّخذ القرار بميزان الخسائر والأرباح.

ومما سيجري تحريه، بحسب مقربين من بري، الأسباب الحقيقية التي دفعت ميقاتي إلى إعلان نيته الاستقالة في حال عدم إقرار بند تمويل المحكمة. وترى مصادر سياسية رفيعة المستوى في قوى 8 آذار أن رئيس الحكومة كان يخشى ما يحضّره له خصومه في مهرجان طرابلس، أمس، «فأتى المهرجان هزيلاً جداً، شكلاً ومضموناً». وبناءً على ذلك، ترى مصادر ثنائي حزب الله ـــــ حركة أمل أن على ميقاتي أن يُسقِط من حسابه الخوف من الشارع الطرابلسي الذي أثبت أنه ليس أداة طيعة ليستخدمها تيار المستقبل في وجه الحكومة. وفيما تشيع أوساط سياسية مختلفة الانتماءات السياسية أن ميقاتي سمع خلال زيارته الأخيرة لبريطانيا، وعبر ابن شقيقه عزمي طه ميقاتي من الولايات المتحدة الأميركية، تهديدات تتصل بثروة آل ميقاتي، إذا لم تلتزم حكومة لبنان بتمويل المحكمة، نفت مصادر قوى 8 آذار هذا الأمر، مؤكدة أن ما تناهى إلى مسامعها هو عكس ما يُشاع، علماً بأن وزير المال محمد الصفدي، نفى أمس في حديث إلى إذاعة صوت لبنان وجود أي «تهديدات من المجتمع الدولي للحكومة اللبنانية».
وبعد تحديد حقيقة موقف ميقاتي، سينتقل بري إلى البحث عن حل «مبنيّ بالدرجة الأولى على إرادة التوصل إلى تسوية». وترى مصادر ثنائي حزب الله ـــــ أمل أن الجميع مستفيدون من التوصل إلى حل: فوليد جنبلاط يتجنب امتحان التسمية من جديد. وحزب الله لا يزال يرى أن الحفاظ على الحكومة هو جزء من أولوياته، والنائب ميشال عون يريد حكومة منتجة. أما ميقاتي، تضيف المصادر، فيريد تجنب اتخاذ موقف معاد لسوريا وحزب الله، إلا إذا كان فعلاً تعرض لتهديد شخصي من الغرب.
وتتوقع المصادر ذاتها أن يسمع ميقاتي في الفاتيكان اليوم كلاماً واضحاً بشأن مخاطر الفراغ في لبنان، رغم أن ميقاتي تلقى جرعة دعم من البطريرك الماروني بشارة الراعي، الذي عبر أمس عن أسفه لـ«التردد في التقيّد بالشرعية الدولية، ولا سيما في ما يختص بالمحكمة الخاصة بلبنان، وبالتالي بالحقيقة والعدالة، في بلدنا لبنان الذي هو عضو مؤسس في منظمة الأمم المتحدة، والذي ترأس هذه السنة دورة مجلس الأمن. وإننا نحذّر من مغبّة ذلك، ونحمّل المسؤولين تبعة النتائج الوخيمة على لبنان وصالحه وشعبه».
ومن روما، أكّد رئيس الحكومة «التمسك بالعدالة، ولا يمكننا أن نتجاهل ما وقع من جرائم واغتيالات في لبنان، والعدالة هي وسيلة أساسية لمعرفة الحقيقة ووقف الجرائم». وجزم ميقاتي في مقابلة مع «راديو الفاتيكان» بأن بند تمويل المحكمة سيكون مدرجاً على جدول أعمال مجلس الوزراء خلال الأسبوع الجاري، «وآمل أن يتحمل كل وزير مسؤوليته». وأكدت أوساط ميقاتي أن أحداً لم يتواصل معه بعد بشأن موقفه من بند التمويل، جازمة بأن رئيس الحكومة سيستقيل «إذا لم يكن قرار تمويل المحكمة في جيبه مع بداية الشهر المقبل».
أجواء «التفاؤل الحذر» التي بدأت تصدر من محيط بري، تصطدم بالدرجة الأولى بما يصدر عن الرابية. ورغم أن مقربين من النائب ميشال عون يؤكدون أنه يقبل بأي تسوية تضمن له تحقيق إنجازات في الحكومة، وخاصة في قضايا الموازنة والكهرباء والماء والتغطية الصحية والتعيينات الإدارية، قال أحد وزراء تكتل التغيير والإصلاح لـ«الأخبار»: «لو أن ميقاتي سيزور اليوم رئيس دولة غير بابا الفاتيكان، لكنا كررنا معه ما فعلناه بالحريري عندما زار الرئيس الأميركي باراك أوباما»، حين دخل الحريري البيت الأبيض رئيساً للحكومة، وخرج منه رئيساً لحكومة مستقيلة.
وفي هذا السياق، كرر عون موقفه من المحكمة مساء أول من أمس، إذ جزم بأن «لا أحد يمكنه أن يجعلنا ندفع قرشاً، لأن المحكمة أقرت في مجلس الأمن وليس هناك اتفاقية تلزمنا بدفع المال».
وأكدت مصادر التكتل أن الوزير جبران باسيل سيزور رئيس الجمهورية اليوم من أجل إبلاغه بموقف التكتل الناتج من اجتماعه الذي عقده صباج أول من أمس. وهذا الموقف ينص على أن وزراء التكتل لن يحضروا جلسة مجلس الوزراء يوم الأربعاء المقبل إذا لم يكن بند تصحيح الأجور على رأس جدول الأعمال، وبند تعيين رئيس لمجلس القضاء الأعلى وعدد من القضايا الأساسية بعده، قبل البحث في أي بند آخر. وأكدت مصادر الرابية أن باسيل سيجري أيضاً سلسلة اجتماعات واتصالات مع حلفاء التيار وشركائه في الحكومة، من أجل التوصل إلى موقف موحد.
ورأت مصادر التكتل وأخرى من قوى 8 آذار أن عدم حضور جلسة مجلس الوزراء يوم الأربعاء المقبل سيؤدي عملياً إلى إفقادها النصاب، ما سيفسح في المجال أمام دور بري والنائب وليد جنبلاط لمحاولة التوصل إلى تسوية تقي الحكومة شر السقوط.
لكن بعض أوساط 8 آذار والتيار الوطني الحر أبدت تشاؤمها من كل المساعي التي يمكن القيام بها، مشددة على أن حزب الله يرى أن ميقاتي تراجع عن اتفاق مسبق أجري معه قبل تكليفه تأليف الحكومة. وهذا الاتفاق، بحسب المصادر ذاتها، يقضي بعرض بند تمويل المحكمة على الحكومة، والالتزام بنتيجة التصويت التي ستصدر. وتضيف المصادر إن حزب الله قدم لميقاتي كل شيء، وراعاه في كل القضايا، إلى درجة أن ذلك انعكس سلباً على العلاقة بين حزب الله والتيار الوطني الحر في إحدى المراحل، بسبب اتهام عون لحليفه بعدم دعمه في وجه ميقاتي. وترى المصادر أن ميقاتي لم يتوقف عند هذا الأمر، بل لجأ إلى التهديد في حال عدم تمرير بند تمويل المحكمة.
في المقابل، رأت مصادر سياسية غير بعيدة عن ميقاتي أن أي اتفاق أجري معه قبل تكليفه ترؤس الحكومة سقط لاحقاً بسبب الأحداث التي اندلعت في سوريا.
من ناحية 14 آذار، لا تزال الصورة ضبابية، باستثناء أجواء «الشماتة» التي تسود هذا الفريق تجاه خصومهم. ويعبر معظم سياسيي المعارضة عن عدم فهمهم للأسباب التي أوصلت الائتلاف الحكومي إلى حافة الانفجار، فلجأ بعضهم إلى التفسيرات المعتادة حول نية النظام السوري التصعيد على الساحة اللبنانية من خلال حزب الله. وأكد رئيس حزب الكتائب، أمين الجميل، أمس، أن «الصورة لم تكتمل بعد في حال عدم تمويل الحكومة للمحكمة واستقال ميقاتي»، معبراً عن تخوفه من «الوصول الى مأزق حكم». وأبدى الجميل خشيته من عدم «التمكن من تشكيل حكومة جديدة، ولكن يمكن أن نشكل حكومة «14 آذار» أو أن يعيد الفريق الآخر تشكيل حكومته، إلا أن الأفضل هو تمرير هذه المرحلة وتمرير استحقاق بند التمويل لأنه لا وقت للدخول في أزمة حكم ولأن المجتمع الدولي ومجلس الأمن والمحكمة لن ينتظرونا».