الحرب لم تبدأ اليوم: هكذا تنزع أميركا اللقمة من أفواه الفنزويليين

صراع فنزويلا يبدأ من سؤال السيادة على النفط: حين أعاد تشافيز الدولة إلى موقع التحكم بثروتها، بدأت حربٌ هجينة وعقوبات قاسية لكسر المسار البوليفاري.

فيجاي براشاد
فيجاي براشاد
الأربعاء 31 كانون الأول 2025
مؤيدون للرئيس مادورو يتظاهرون على الدراجات النارية ضد واشنطن في كاراكس (أ ف ب)
مؤيدون للرئيس مادورو يتظاهرون على الدراجات النارية ضد واشنطن في كاراكس (أ ف ب)
الخط

لم تكن لدى الولايات المتحدة مشكلة مع فنزويلا بحدّ ذاتها، لا مع البلد ولا مع أوليغارشيته السابقة. إن المشكلة التي واجهتها الحكومة الأميركية وطبقتها المؤسّسية تتمثّل في المسار الذي أطلقته أول حكومة للرئيس هوغو تشافيز. ففي عام 2001، أقرّ المسار البوليفاري الذي قاده تشافيز قانوناً يُسمّى «القانون العضوي للمحروقات»، أكد ملكية الدولة لجميع احتياطيات النفط والغاز، وجعل أنشطة المنبع، أي الاستكشاف والاستخراج، حكراً على الشركات الخاضعة لسيطرة الدولة، لكنه سمح للشركات الخاصة — بما فيها الأجنبية — بالمشاركة في أنشطة المصبّ (مثل التكرير والبيع). وكانت فنزويلا، التي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في العالم، قد أمّمت نفطها بالفعل عبر قوانين عام 1943 ثم أعادت تأكيد ذلك في عام 1975. غير أنه في تسعينيات القرن العشرين، وفي إطار «الإصلاحات النيوليبرالية» التي دفع بها «صندوق النقد الدولي» (IMF) وشركات النفط الكبرى المملوكة للولايات المتحدة، خضع قطاع النفط لخصخصة واسعة.

وعندما سنّ تشافيز القانون الجديد، أعاد الدولة إلى موقع السيطرة على صناعة النفط (وكانت صادرات النفط إلى الخارج مسؤولة عن 80% من إيرادات البلاد الخارجية). وقد أثار ذلك غضباً عميقاً لدى شركات النفط الأميركية - ولا سيما «إكسون موبيل» و«شيفرون» - التي ضغطت على حكومة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش للتحرّك ضدّ تشافيز. حاولت الولايات المتحدة، عام 2002، تدبير انقلاب لإزاحة الأخير، ثمّ دفعت الإدارة الفاسدة لشركة النفط الفنزويلية إلى إطلاق إضراب بهدف الإضرار بالاقتصاد الفنزويلي (وكان العمال في نهاية المطاف هم الذين دافعوا عن الشركة وانتزعوها من الإدارة). صمد تشافيز أمام محاولة الانقلاب والإضراب معاً لأنه حظي بدعم واسع من السكان. ماريا كورينا ماتشادو، التي مُنحت جائزة نوبل للسلام عام 2025، أسست مجموعة تُدعى «سوماتي» (Sumaté، أي «انضمّوا»)، وأطلقت استفتاءً لعزل الرئيس عبر التصويت على ورقة الاقتراع. شارك نحو 70% من الناخبين المسجلين في الاقتراع عام 2004، وصوّتت غالبية كبيرة (59%) للإبقاء على تشافيز رئيساً. لكن، لا ماتشادو ولا داعموها في الولايات المتحدة (ومن بينهم شركات النفط) اطمأنّوا. فمنذ 2001 وحتى اليوم، يحاولون إسقاط المسار البوليفاري - أي عملياً إعادة شركات النفط الأميركية إلى موقع السلطة -. وعليه، فإن مسألة فنزويلا لا تتعلق كثيراً بـ«الديمقراطية» (وهي كلمة مستهلَكة مجرَّدة من معناها)، بقدر ما تتعلّق بالصراع الطبقي الدولي بين حق الشعب الفنزويلي في التحكم بحرية في نفطه وغازِه، وحق شركات النفط الأميركية في الهيمنة على الموارد الطبيعية الفنزويلية.

المسار البوليفاري

عندما ظهر هوغو تشافيز على الساحة السياسية في تسعينيات القرن العشرين، أَسَر خيال معظم الشعب الفنزويلي، ولا سيما الطبقة العاملة والفلاحين. فقد اتّسم ذلك العقد بخيانات مدوّية من قِبل رؤساء وعدوا بحماية البلد الغني بالنفط من سياسات التقشف التي يفرضها «صندوق النقد الدولي»، ثم ما لبثوا أن تبنّوا مقترحات الصندوق نفسها. ولم يهمّ إن كانوا من الاشتراكيين الديمقراطيين (مثل كارلوس أندريس بيريز من حزب «العمل الديمقراطي»، الذي تولّى الرئاسة من 1989 إلى 1993) أو من المحافظين (مثل رافائيل كالديرا من «الديمقراطيين المسيحيين»، الذي تولّى الرئاسة من 1994 إلى 1999)؛ فقد بدت الساحة السياسية برمّتها مُعرَّفة بالنفاق والخيانة، فيما ظلّت مستويات عالية من اللامساواة (مع وصول معامل جيني إلى 48.0 بشكل صادم) تُحكم قبضتها على المجتمع. وجاء تفويض تشافيز (الذي فاز في الانتخابات بـ56% مقابل 39% لمرشح الأحزاب القديمة) ضدّ هذَين النفاق والخيانة.

بعد وفاة تشافيز، ومع انخفاض
أسعار النفط، بدأت الولايات المتحدة
حرباً هجينة مركّزة ضدّ فنزويلا


وممّا ساعد تشافيز والمسار البوليفاري، أن أسعار النفط بقيت مرتفعة من عام 1999 (حين تسلّم السلطة) حتى عام 2013 (حين توفي في سن 58، وهو عمرٌ صغير جداً). وبعد أن أحكم السيطرة على عائدات النفط، أعاد توجيهها لتحقيق مكاسب اجتماعية هائلة؛ فهو طوّر مجموعة من البرامج الاجتماعية الجماهيرية (misiones) التي استثمر القائمون عليها تلك العائدات لتلبية احتياجات إنسانية أساسية من مثل الرعاية الصحية الأولية (برنامج «باريو أدينترو»)، ومحو الأمية والتعليم الثانوي للطبقة العاملة والفلاحين (مبادرات «روبنسون»، و«ريباس»، و«سوكري»)، والسيادة الغذائية (برنامج «ميركال» ثمّ «PDVAL»)، والإسكان (البرنامج الكبير للإسكان «غران مِسيون فيفييندا»). هكذا، أُعيد تشكيل الدولة بوصفها أداة للعدالة الاجتماعية، لا أداة لاستبعاد الطبقة العاملة والفلاحين من مكاسب السوق. ومع تقدّم هذه الإصلاحات، تحرّكت الحكومة لبناء «سلطة شعبية» بديلة لحُكم الأوليغارشية، وذلك عبر أدوات تشاركية - غير متكافئة ولكنها ذات أهمية تاريخية - من مثل «الكومونات» (comunas)، التي مثّلت أحد أكثر إسهامات المسار البوليفاري طموحاً؛ فهي ظهرت أولاً من خلال جمعيات استشارية شعبية (consejos comunales)، ثمّ تطورت إلى هيئات شعبية تتحكّم في الأموال العامة، وتخطّط للتنمية المحلية، وتؤسس مصارفَ تعاونية مجتمعية، وتشكّل مؤسسات محلية تعاونية (empresas de producción social).

الحرب الهجينة

شهد عامَا 2013 و2014 حدثين هدّدا المسار البوليفاري بعمق: أولاً، الوفاة المبكرة لهوغو تشافيز، الذي كان بلا شك القوة الدافعة للطاقة الثورية؛ وثانياً، الانهيار البطيء ثم المتسارع لإيرادات النفط. خَلَف تشافيز في الرئاسة وزيرُ الخارجية السابق والنقابي نيكولاس مادورو، الذي حاول تثبيت السفينة، لكنه واجه تحدياً قاسياً عندما هبطت أسعار النفط - التي كانت قد بلغت ذروتها في حزيران/ يونيو 2014 عند نحو 108 دولارات للبرميل -، بشكل دراماتيكي في عام 2015 إلى ما دون 50 دولاراً، ثمّ بحلول كانون الثاني/ يناير 2016 إلى ما دون 30 دولاراً. وبالنسبة إلى فنزويلا، التي كانت تعتمد على مبيعات النفط الخام إلى الخارج، كان هذا التراجع كارثياً. لم يستطع المسار البوليفاري تعديل نموذج إعادة التوزيع المعتمد على النفط (ليس داخل البلاد فقط، بل في المنطقة أيضاً، بما في ذلك عبر «بتروكاريبي»)، فظلّ أسير الاعتماد على صادرات النفط، وبالتالي أسير تناقضات الدولة الريعية. وبالمثل، لم يكن المسار البوليفاري قد صادر ثروة الطبقات المهيمنة، التي واصلت الضغط بقوة على الاقتصاد والمجتمع، ثمّ منعت انتقالاً كاملاً إلى مشروع اشتراكي.

قبل عام 2013، كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون والقوى الأوليغارشية في أميركا اللاتينية قد جهّزوا بالفعل أدوات «حرب هجينة» ضدّ فنزويلا. فبعد أن فاز تشافيز بأول انتخابات له في كانون الأول/ديسمبر 1998، وقبل أن يتسلّم منصبه في العام التالي، شهدت فنزويلا تسارعاً في هروب رؤوس الأموال، ناتجاً من نقل الأوليغارشية الفنزويلية ثرواتها إلى ميامي. وخلال محاولة الانقلاب والإغلاق النفطي (اللوكاوت)، ظهرت أدلة إضافية على هروب رأس المال، ما أضعف الاستقرار النقدي في فنزويلا. ثمّ عقب ذلك، بدأت الحكومة الأميركية تمهّد ديبلوماسياً لعزل فنزويلا، مصوّرةً حكومتها بوصفها «مشكلة»، وساعيةً إلى بناء تحالف دولي ضدّها، وهو ما قاد، بحلول عام 2006، إلى فرض قيود على وصول كاراكاس إلى أسواق الائتمان الدولية. كما أنه، وقبل وقت طويل من فرض الولايات المتحدة عقوبات رسمية على فنزويلا، رفعت وكالات التصنيف الائتماني والبنوك الاستثمارية والمؤسّسات المتعدّدة الأطراف تكاليف الاقتراض تدريجياً، الأمر الذي جعل إعادة التمويل أكثر صعوبة.

بعد وفاة تشافيز، ومع انخفاض أسعار النفط، بدأت الولايات المتحدة حرباً هجينة مركّزة ضدّ فنزويلا؛ و«الحرب الهجينة» هي الاستخدام المنسَّق لمزيج من الضغط والإجبار الاقتصادي، والخنق المالي، وحرب المعلومات، والتلاعب القانوني، والعزل الديبلوماسي، والعنف الانتقائي، من أجل زعزعة الاستقرار وتقويض المشاريع السياسية السيادية وعكس مسارها، من دون الحاجة إلى غزو شامل. وهكذا، فإن هدف هذه الحرب ليس احتلال الأراضي، بل الإخضاع السياسي، أي تأديب الدول التي تحاول إعادة التوزيع، أو التأميم، أو انتهاج سياسة خارجية مستقلة؛ وهي تعمل عبر جعل الحياة اليومية أداةً للضغط السياسي: فالهجمات على العملة، والعقوبات، ونقص السلع، والسرديات الإعلامية، وضغوط المنظمات غير الحكومية، والملاحقة القضائية المُسيَّسة (حرب القانون/‏lawfare)، وأزمات الشرعية المُهندَسة... كلّها أدوات صُمِّمت لتقويض قدرة الدولة، واستنزاف الدعم الشعبي، وتفتيت التماسك الاجتماعي، ثمّ لتُقدَّم المعاناة الناتجة من ذلك بوصفها دليلاً على «فشل داخلي»، بما يُخفي الهندسة الخارجية للضغط والإجبار.

هذا بالضبط ما واجهته فنزويلا منذ أن فرضت الولايات المتحدة بشكل غير قانوني عقوبات مالية على البلاد في آب/ أغسطس 2017، ثم عمّقتها عبر عقوبات ثانوية في 2018، وعطّلت أنظمة الدفع وقنوات التجارة كافة، وفرضت «الامتثال المفرط» للوائح الأميركية. وفي حين قلّلت السرديات الإعلامية في الغرب بصورة منهجية من شأن أثر العقوبات، بالتوازي مع تصوير التضخم ونقص السلع والهجرة بوصفها ظواهر داخلية محضة، بما يعزّز خطاب «تغيير النظام»، بدا واضحاً أن انهيار مستويات المعيشة في فنزويلا بين 2014 و2017، لم يكن منفصلاً عن هذه الاستراتيجية المتعدّدة الطبقات لـ«خنق الاقتصاد». وعلى المنوال نفسه، فإن الهجمات التي تنفّذها مجموعات مرتزقة، وتخريب شبكة الكهرباء، وافتعال نزاع بين غويانا وفنزويلا بما يخدم «إكسون موبيل»، وابتكار «رئيس بديل» (خوان غوايدو)، ومنح «جائزة نوبل للسلام» لشخص يدعو إلى حربٍ ضد بلده (ماتشادو)، ومحاولة اغتيال الرئيس، وتفجير قوارب صيد قبالة الساحل الفنزويلي، والاستيلاء على ناقلات نفط كانت تغادر فنزويلا، وحشد أسطول قبالة شواطئ البلاد... كلّها إجراءات أُطلقت لخلق توتر عصبي داخل فنزويلا يقود إلى استسلام المسار البوليفاري، وذلك لصالح العودة إلى ما قبل 1998، ثمّ إلغاء أي قانون للمحروقات يَعِد البلاد بالسيادة. ولو عادت البلاد إلى عام 1998، وفق ما تَعِد به ماريا كورينا ماتشادو، التي قالت إن قصفاً أميركياً لمواطنيها الفنزويليين سيكون «فعلَ حبّ»، فستُبطَل كلّ المكاسب الديمقراطية التي تحقّقت عبر «المِسيونات» و«الكومونات»، وأيضاً عبر دستور عام 1999.

* المؤرخ الهندي ومدير معهد «Tricontinental» للبحوث الاجتماعية (سانتياغو — تشيلي)