طهران وبغداد تكثّفان مشاوراتهما: ممنوع «الصدام الداخلي» العراقي
مع اقتراب انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق، تتكثّف الاتصالات العراقية - الإيرانية حول مصير فصائل المقاومة، وسط مساعٍ لمنع تحول الخلاف إلى صدام داخلي، وضغوط أميركية لإعادة رسم المشهد الأمني والسياسي العراقي.


بغداد | لا تبدو حركة الوفود الإيرانية المتتالية إلى بغداد، منفصلة عن التحوّل الذي يبدو أنه يشهده ملفّ السلاح في العراق. فمن زيارة قائد «فيلق القدس»، إسماعيل قاآني، إلى زيارة رئيس مجلس الشورى الإيراني، محمد باقر قاليباف، مروراً بوفود أخرى التقت قيادات سياسية وأمنية، تتكثّف الاتصالات العراقية - الإيرانية حول مستقبل فصائل المقاومة وعلاقتها بالدولة، ولا سيما مع اقتراب مهلة نهاية أيلول، الموعد المرتبط بانتهاء مهمّة «التحالف الدولي» في العراق. وفي أحدث حلقات هذا الحراك، التقى الأمين العام لـ«المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني» محسن رضائي، رئيس «مجلس القضاء الأعلى» في العراق، فائق زيدان، في طهران، حيث شدّد على أن «دول المنطقة هي التي ستقرّر مستقبلها، وأن الولايات المتحدة لن يكون لها مكان فيها»، مؤكداً رغبة بلاده في «عراق مستقلّ وقوي»، وداعياً إلى حسم وضع الجماعات المناهضة لإيران الموجودة على الحدود المشتركة.
وبحسب مصادر حكومية تحدّثت إلى «الأخبار»، لم تخلُ زيارة زيدان إلى طهران، من مناقشات حول ملفّ السلاح، وهو ما عزّز الحديثَ حوله لقاء زيدان، بعد عودته، القائم بالأعمال الأميركي في بغداد، جوشوا هاريس، حيث بحث الجانبان الإجراءات القضائية بعد انتهاء مهمّة «التحالف» في 30 أيلول، ولا سيما ما يتعلّق بالجهات والأشخاص الذين «يحملون السلاح خلافاً للدستور والقانون، وآليات إنفاذ سيادة القانون». ويقول قيادي بارز في «الإطار التنسيقي»، بدوره، لـ«الأخبار»، إن إيران، رغم دعمها لمبدأ بقاء العراق قوياً ومستقلّاً، تخشى من أن يؤدي تفكيك منظومة الفصائل بصورة سريعة إلى فراغ في الساحة العراقية، يمكن أن تستفيد منه إسرائيل، على غرار ما تعتبر طهران أنه حصل في سوريا. ويضيف القيادي أن قادة عراقيين، بينهم رئيس الوزراء، علي الزيدي، وهادي العامري، وعمار الحكيم، إلى جانب شخصيات أخرى، يعملون على تثبيت تفاهم يمنع انتقال الخلاف من طاولة الحوار إلى المواجهة، متابعاً أن قيادات الفصائل تلقّت تعهّدات بأن عملية حصر السلاح لن تتحوّل إلى صدام، وأن «أمام عناصرها وقياداتها خيارات تراوح بين الاندماج في التشكيلات العسكرية الرسمية، أو الانتقال إلى العمل السياسي، بما يمنع تعرّضها لملاحقات أو مضايقات مستقبلية».
طهران تخشى أن يؤدي تفكيك الفصائل بصورة سريعة إلى فراغ تستفيد منه إسرائيل، كما حصل في سوريا
لكنّ «كتائب حزب الله» و«حركة النجباء» لا تزالان متمسّكتَين بشروطهما لتسليم السلاح، فيما تُواصل منصّات محسوبة على المقاومة على «تلغرام» نشر رسائل تؤكد رفض التسليم. وفي هذا الإطار، شدّد عضو المكتب السياسي لـ«النجباء»، حيدر اللامي، على أن «حصر السلاح يجب أن يشمل جميع القوى والفصائل المسلّحة من شمال العراق إلى جنوبه»، معتبراً أن السلاح المُستهدَف هو سلاح «المقاومة الإسلامية» في العراق ولبنان واليمن وإيران، ومنتقداً ازدواجية المعايير الأميركية. كما دعا الحكومة إلى الابتعاد عن تحديد سقف زمني لحصر السلاح، والبحث عن «معالجات دقيقة» للملفّ. والظاهر أن هذه المواقف الرافضة تفلح في دفع الحكومة إلى تليين سياستها؛ إذ تفيد المصادر بأن المبعوث الأميركي الخاص، توم برّاك، الذي يواصل اتصالاته مع عدد من القادة السياسيين العراقيين بشأن مرحلة ما بعد الـ30 من أيلول، تلقّى تأكيدات بإمكان الوصول إلى «تسليم السلاح» ضمن تسوية أوسع، شرط أن تقترن هذه التسوية بالتهدئة وانسحاب القوات الأجنبية، وتعزيز قدرات الجيش العراقي وتسليحه، وضمان عدم المساس بالسيادة العراقية.
وعلى أيّ حال، يحاول «الإطار التنسيقي» منع تحوّل الخلاف إلى انقسام داخلي؛ وفي هذا الإطار، حذّر زعيم «ائتلاف دولة القانون»، نوري المالكي، من أن «أيّ صدام داخلي سيكون خسارة للعراق كلّه». لكنّ الباحث السياسي، علي محيي الدين، يرى أن الخلافات داخل «التنسيقي» تُضعِف قدرته على إدارة ملفّ شديد الحساسية، وتمنح القوى الخارجية مساحة أوسع للتأثير في مساره. ويعتقد محيي الدين أن تدخّل واشنطن لا يقتصر على الجانب الأمني، بل يستهدف إعادة تشكيل موازين القوة داخل العراق، منتقداً في الوقت نفسه تحرّكات الزيدي، ومعتبراً أن بعض خطواته الخارجية قد تزيد من ارتباط القرار العراقي بالمظلّة الأميركية.
