لم تنتهِ المعركة في الجنوب السوري بعد. هذا بحسابات الجيش السوري أولاً، ثم «جيش خالد بن الوليد» الموالي لـ«داعش»، بالإضافة إلى الإسرائيليين الذين يستنفرون قواتهم ومنظوماتهم الدفاعية على طول الشريط الحدودي في الجولان المحتلّ. اليوم، فعّل الجيش الإسرائيلي المنظومة المضادة للصواريخ المتوسطة المدى، المعروفة بـ«مقلاع داوود» للمرة الأولى بعدما رُصد صاروخان متجهان من ريف درعا الغربي نحو الجولان المحتلّ. وتقف روسيا، التي أرسلت مبعوثَيْن إلى تل ابيب اليوم، موقف المفاوض الذي يحاول التوصل إلى معادلة يوافق عليها الطرفان، في ظل تعنّت إسرائيلي بشأن الوجود الإيراني في سوريا.

بعدما أشارت تقديرات أولية إسرائيلية إلى أن الصاروخين السوريين من طراز «إس.إس-21» سيسقطان في الجولان المحتل، جرى تفعيل «مقلاع داوود» وأطلق صاروخين اعتراضيين، وأفادت القناة «العاشرة» الإسرائيلية بأن المنظومة فشلت في اعتراض الصاروخين، مشيرةً إلى أن سلاح الجو بدأ تحقيقه في هذا الشأن. ففي حين انفجر أحد الصاروخين في شمال الأراضي المحتلة، لم يصب صاروخ الدفاع الثاني الصاروخ السوري. والجدير بالذكر هنا، أن الجيش السوري في إطار قصفه للمنطقة التي يسيطر عليها «جيش خالد بن الوليد» في حوض اليرموك، أطلق عدداً من الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى، من بينها صاروخ «توشكا» الروسي. ويقول مراقبون عسكريون في هذا الصدد، إنه «لا داعي لمثل هذه الصواريخ في معركة كهذه، ليس فيها مسافات ضخمة، ولا أهداف كبيرة تحتاج إلى نوع صواريخ من طراز توشكا، إلا أن هذه الصواريخ لا تعدو كونها رسائل للإسرائيلي الذي يشاهد كل ما يحدث هناك». الرواية الإسرائيلية بشأن تفعيل «مقلاع داوود»، تبعها تسريب انتشر في الإعلام يتحدّث عن رفض إسرائيلي لعرض روسي، قدّمه اليوم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ورئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية فاليري غيراسيموف، أثناء لقائهما رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو. العرض الروسي، بحسب ما تداولته وسائل إعلام إسرائيلية، يقضي بضمان روسيا تراجع القوات الإيرانية إلى مسافة 100 كلم عن الحدود مع الجولان المحتل، مقابل وقف الضربات الجوية الإسرائيلية داخل سوريا. وبحسب صحيفة «هآرتس» العبرية، فقد قال مسؤول إسرائيلي اليوم، بعد اجتماع نتنياهو والمسؤولين الروس، إن «إسرائيل تطالب بسحب أسلحة بعيدة المدى يمكنها التحايل على مثل هذه المنطقة العازلة». تل أبيب ترفض العرض الروسي المذكور، لأن مسافة 100 كم ليست مسافة يمكنها ضمان عدم سقوط صواريخ بكثافة على أهداف إسرائيلية داخل الأراضي المحتلة، وهذا يمكن استنتاجه من خلال جولة سريعة على مديات الصواريخ الإيرانية التي تفوق هذه المسافة بكثير. السبب الآخر لرفض العرض، وهو الأكثر تأثيراً، أنه يُلزم العدو الإسرائيلي بعدم خرق الأجواء السورية وتوجيه ضربات لأهداف داخل الأراضي السورية، ما سيحرم إسرائيل أفضلية سلاح الجو و«اليد الطولى»، مقابل السماح للقوات الإيرانية وحزب الله بالتموضع وتوسيع نشاطاتهما العسكرية داخل سوريا بالتنسيق والتفاهم مع دمشق، وبالتالي فإن هذه الصفقة، لا تعدّ «رابحة» بالنسبة إلى تل أبيب.
ميدانياً، واصل سلاحا الجو والمدفعية في الجيش السوري توجيه ضرباتهما المركّزة نحو تحصينات ومواقع مسلحي «داعش» في محيط تل الجموع وقرية تسيل وجلين في منطقة حوض اليرموك في ريف درعا الغربي، وأدت الضربات إلى تدمير منصات إطلاق قذائف، وقطع طرق تسلل المسلحين وإمدادهم.

مشاورات لإلغاء العقوبات على سوريا وإعادة المهجّرين
بموازاة ذلك، أعلنت موسكو أنها تجري مشاورات مع بلدان أخرى لرفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا. وقال ممثل الخارجية الروسية، نيكولاي بورتسيف، إن وزارة الخارجية تجري مشاورات مع الشركاء الأجانب لرفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا وتقديم المساعدات الإنسانية لها. وأضاف: «المشاورات مستمرة مع جميع الشركاء الغربيين والإقليميين لرفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا». كذلك، لفت ممثل الخارجية إلى أنَّ «العمل النشط مستمر مع الولايات المتحدة وفرنسا لاستقدام المساعدات الإنسانية إلى سوريا، وكذلك مع المنظمات الدولية المختلفة لاستعادة البنية التحتية الاجتماعية والاقتصادية للبلاد». وقال بورتسيف، خلال اجتماع في مقر التنسيق بين وزارتي الدفاع والخارجية الروسيتين لعودة اللاجئين السوريين: «هناك دول مثل لبنان مستعدّة للتّعاون مع الجانب الروسي في قضية عودة المواطنين السوريين، لكن هناك بعض الدول الأوروبية، مثل ليتوانيا، تشترط التعاون معنا في حل هذه المشكلة بالحصول على التعليمات ذات الصلة من سلطات الاتحاد الأوروبي». من جهتها، أعلنت وزارة الدفاع الروسية فتحَ ممرين للاجئين السوريين من الأردن ولبنان. وقال رئيس مركز إدارة الدفاع، ميخائيل ميزينتسيف، خلال الاجتماع نفسه، إنه «جرى فتح ممرين لعبور اللاجئين إلى أراضي سوريا للقادمين من الأردن ولبنان»، وتابع القول: «قريباً، ستُفتَح 3 مراكز للاستقبال وتوزيع وإقامة اللاجئين وهم أبو الظهور والصالحية وتدمر، وستُجهَّز يوم 27 تموز».
في غضون ذلك، أكد مكتب المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا، مشاركته في اجتماع سوتشي حول سوريا بصيغة أستانا المزمع عقده في 30 ــ 31 من شهر تموز الحالي، بعد تلقيه الدعوة من الدول الضامنة.

«الخوذ البيضاء» ترحيب غربي واستنكار روسي ــ سوري
تتوالى التصريحات بشأن قضية منظمة «الخوذ البيضاء»، المدعومة من الدول الغربية، والتي تعمل في مناطق سيطرة المسلحين، و«هيئة تحرير الشام» بوجه خاص. وبعد عملية نقل عدد من أعضاء المنظمة، عبر إسرائيل نحو الأردن، ثم إلى دول غربية لتوطينهم هناك. في هذه الأجواء، أعلن مصدر في الحكومة الكندية، بحسب وكالة «فرانس برس»، أن دفعة ثانية من عناصر «الخوذ البيضاء»، كان مفترضاً «إجلاؤهم مع عائلاتهم من سوريا الى الأردن عبر إسرائيل يوم أمس الأحد، لكن الأوضاع الميدانية حالت دون ذلك». وبحسب المصدر، تكونت الدفعة الأولى من 422 شخصاً (نحو 100 عنصر من الخوذ البيضاء وأفراد أسرهم) وتمكنت من الوصول إلى خط فض الاشتباك في هضبة الجولان المحتل، وعبرت الى «إسرائيل» ومنها الى الأردن، لكن الدفعة الثانية «لم تتمكّن من الوصول إلى الحدود بسبب الوضع الميداني خلال الفترة الزمنية التي كانت خلالها الحدود الإسرائيلية مفتوحة». وأوضح المصدر بحسب الوكالة الفرنسية، أن «هذه الدفعة لا تزال عالقة في سوريا وليس معروفاً ما إذا كان بالإمكان تنفيذ عملية إجلاء جديدة لإخراجها عبر إسرائيل إلى الأردن»، مشيراً إلى أن «الوضع الميداني لا يزال حذراً».
في غضون ذلك، أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية أن فرنسا «ستشارك في استقبال الخوذ البيضاء الذين جرى إجلاؤهم من سوريا مع عائلاتهم». وأضافت الخارجية الفرنسية أن «هذه العملية تقضي بإعادة توطينهم في بلدان اخرى. وستشارك فرنسا في استقبال عناصر الخوذ البيضاء وعائلاتهم»، كذلك، «ستواصل التحرك في سبيل هؤلاء الأشخاص الشجعان الذين جازفوا بحياتهم يوماً بعد يوم لمساعدة الشعب السوري». بالتوازي، رحّب وزيرا خارجية ألمانيا وبريطانيا اليوم الاثنين بـ«إجلاء المئات من العاملين بالدفاع المدني السوري المعروفين باسم الخوذ البيضاء الذين فروا من سوريا بمساعدة من إسرائيل والأردن». وقال الوزير الألماني هايكو ماس للصحافيين في برلين، إن بلاده «تشعر بالامتنان العميق إزاء التحرك المشترك لإنقاذ أفراد الخوذ البيضاء»، وأضاف أنه ستجرى إعادة توطين بعض الأسر في بلاده. أما وزير الخارجية البريطاني جيريمي هانت، فقد أشاد بما وصفه «بالعمل الاستثنائي الذي قامت به (الخوذ البيضاء) لإنقاذ الأرواح».
في المقابل، رأت وزارة الخارجية الروسية أن نشطاء «الخوذ البيضاء» بمغادرتهم لسوريا، «كشفوا عن جوهرهم وأظهروا نفاقهم للعالم». وجاء في تعليق الخارجية الروسية على إجلاء «الخوذ البيضاء» من سوريا، أنّ «من اللافت أن الخوذ البيضاء فضلوا الفرار من سوريا بدعم أجنبي، وكشفوا بذلك عن جوهرهم وأظهروا نفاقهم للعالم أجمع». وأضافت الخارجية أن هؤلاء النشطاء «أظهروا لمصلحة من كانوا يعملون، ومن كان يمولهم». وأشارت إلى أن «الغربيين قاموا بإجلاء هؤلاء المتظاهرين بالعمل الإنساني إلى الأردن عبر الأراضي الإسرائيلية». ومن المعروف، بحسب بيان الخارجية، أن «الخوذ البيضاء بالذات تورطوا بأفظع الاستفزازات أثناء النزاع في سوريا». وأضافت أنهم «كانوا يعملون على الأراضي تحت سيطرة المتطرفين الإسلاميين فقط وأعدّوا تمثيليات استخدموها لتوجيه اتهامات إلى السلطات السورية». وأعادت وزارة الخارجية الروسية إلى الأذهان «الهجوم المزعوم» باستخدام السلاح الكيميائي في مدينة دوما داخل منطقة الغوطة الشرقية في ريف دمشق في أبريل/نيسان الماضي.
بدورها، ندّدت دمشق اليوم بعملية الإجلاء، ونقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا» عن مصدر مسؤول في وزارة الخارجية والمغتربين، قوله إن «العملية الإجرامية التي قامت بها إسرائيل وأدواتها في المنطقة، فضحت الطبيعة الحقيقية لتنظيم ما يسمى الخوذ البيضاء الذي قامت سوريا بالتحذير من مخاطره».