مسلسل التهجير القسري يتمدّد: قرى سهل الغاب تنطفئ بصمت
تستهدف سياسة التهجير القسري قرى سهل الغاب العلوية بصمت، في مخطط واضح لتغيير ديموغرافي ترعاه الفصائل المسلحة وسط تواطؤ وصمت رسمي.


تتواصل سياسة التهجير القسري التي تطاول القرى العلوية في سوريا، في إطار يبدو ممنهجاً لتغيير الواقع الديموغرافي في عدد من المناطق. ويأتي هذا في ظلّ صمت حكومي متعمّد على سلسلة الانتهاكات التي يتعرّض لها أبناء الطائفة العلوية، من عمليات قتل وسرقة وتهديد على أساس طائفي، من قِبل مسلّحين ينتشرون في تلك القرى، التي يظهر أنّ ثمّة توجهاً لإفراغها بالكامل وإحلال آخرين مكان أهلها.
كان نبيل (اسم مستعار) آخر السكان الذين غادروا قرية كفر عقيد الواقعة في سهل الغاب في ريف حماة، وهي قرية صغيرة لا يزيد عدد منازلها على عشرين بيتاً، تعرّضت لتهجير قسري كامل، بعدما أجبر عناصر الفصائل المسلحة الموجودة في المنطقة جميع سكانها على الخروج تحت تهديد السلاح والضغط بممارسات عنيفة متكرّرة من سرقة وقتل وترهيب، من دون السماح لهم بحمل أي من ممتلكاتهم.
يقول نبيل، في حديثه إلى «الأخبار»: «أصبحنا نازحين من دون سابق إنذار، ولا نملك أي شيء. تحمّلنا طيلة الأشهر الماضية كل المضايقات والقتل والسرقة وإطلاق النار العشوائي لأنه لا مجال لدينا لترك أرزاقنا، ومع ذلك أجبرونا على الخروج بملابسنا فقط، وتركنا ما تبقّى من حيواناتنا وأموالنا وأثاث منازلنا». ويضيف الرجل أنّ القرية باتت اليوم فارغة تماماً من سكانها الأصليين، لافتاً إلى أنّ «بعضهم غادروا بسبب الأوضاع الأمنية والاعتداءات الممنهجة، والبعض الآخر طُردوا مع تهديدهم المباشر بعبارة "ارحلوا من غير رجعة"».
ويشير إلى أنّ «المنازل استُبيحت بالكامل، وسكنها عناصر الفصائل». ومن القرية نفسها، تقول إحدى السيدات في حديثها إلى «الأخبار»: «ظنّنا أننا عائدون بعد أن تهدأ الأوضاع الأمنية. أقفلنا باب منزلنا وخرجنا، ليخبرنا الجيران أنّ مسلّحين في اليوم التالي اقتحموا المنزل وسكنوه حتى اليوم».
المشهد نفسه كان قد تجلّى في قرية العزيزية، آخر القرى العلوية في سهل الغاب الوسطاني، التي بدأ منها التمهيد لعملية التهجير القسري للسكان بعد سقوط النظام السابق مباشرةً، ولم يتبقَّ فيها اليوم أكثر من 15% من أهلها، وفقاً لأحد السكان الذين غادروها قبل أيام. ويقول الرجل، في حديثه إلى «الأخبار»، إنّ «الانتهاكات بحقّ العلويين من أهالي القرية، بدأت بقتلهم وإهانتهم والتعدّي على أرزاقهم جهاراً نهاراً».
لم يتبقَّ في قرية العزيزية أكثر من 15% من أهلها
ويضيف: «أخذوا سيارتي من أمام منزلي تحت تهديد السلاح، وأرغموا جاري على إعطائهم البقرة التي يملكها عنوة»، لافتاً إلى أنه «بعد تقديم شكوى إلى الأمن العام في المنطقة، تمّ وضع حاجز عسكري على مدخل القرية، لكن هذا الأخير بات ينسّق مع المسلّحين لسرقة بيوتنا ومواشينا وأملاكنا تحت جنح الظلام، عدا عن حالات الخطف والقتل التي حصلت بالتزامن مع مجازر الساحل ولا تزال مستمرّة. كل ذلك دفع الكثير من السكان إلى المغادرة خوفاً على حياتهم»، مستدركاً بـ«(أننا) سنعود يوماً ليس بقوة السلاح كما فعلوا، ولكن بمشيئة الله الذي لا يضيع عنده حق».
وتروي «أم علي» من القرية نفسها، بدورها، معاناتها مع النزوح، قائلةً إنها «خرجت مثل باقي السكان مع عائلاتها بضغط من أهالي قرية قبر فضة المجاورة»، لافتة، في حديثها إلى «الأخبار»، إلى أنها «تعيش حالياً في بيت أحد أقاربها في ريف طرطوس، بعدما تركت وراءها كل ما تملك العائلة وشقى عمرهم». وتضيف: «قالوا لنا عيشوا النزوح الذي عشناه 14 سنة، اتّهمونا بأننا نحن العلويون من هجّرناهم وهدمنا بيوتهم خلال حكم نظام الأسد، لكنهم يعرفون حق المعرفة أنّ جميع شباب ورجال القرية كانوا يعملون في الزراعة ولم يكن لهم علاقة لا بجيش ولا بأمن، هم يفعلون ذلك فقط لأننا علويون».
أمّا ابنها فيعتبر أنّ «الشمّاعة التي يعلّق عليها المنتهكون جرائمهم، هي قبول أهالٍ من قريتنا بضمان الأراضي الزراعية من القرى المجاورة بعد هجرة سكانها في زمن حكم الأسد». ويوضح الابن، في حديثه إلى «الأخبار»، أنّ «أراضي قريتنا وأراضي القرى المجاورة هي بالأساس أملاك دولة، عادةً ما يتم استثمارها من قبل المزارعين وفق عقود تضمين رسمية مع الحكومة»، مضيفاً أنه «خلال السنوات الستّ الماضية، ربح بعض المزراعين من قريتنا مزايدات الدولة لاستثمار عدد من الأراضي خارج قريتنا، مع دفع النسبة المخصّصة للدولة بشكل سنوي، ليأتي اليوم أهالي تلك القرى ويطالبوننا بالملايين تعويضاً عن استثمار أراضٍ ليست لهم أساساً».
وإزاء ما تقدّم، يرى ناشط صحافي من أبناء سهل الغاب رفض ذكر اسمه، أنّ «ثمّة مخططاً واضحاً لإفراغ ريف حماة الشمالي من العلويين، يبدأ من القرى الصغيرة، حيث تتبع الحكومة المؤقّتة سياسة ممنهجة لتغيير الواقع الديموغرافي». ويضيف، في حديثه إلى «الأخبار»: «يُمارس على تلك القرى ضغط وترهيب واضح لتهجير سكانها على أساس طائفي، في ظلّ غياب الرادع وعدم وجود أي محاسبة، واستمرار السلطة في التغطية على تلك الانتهاكات، وهذا يتطلّب تدخّلاً عاجلاً من المنظمات الإنسانية الدولية».
